لصور،
تخشع الكلمة ، ويسجد الحرف ، وتتلون المفرادت بأقدس
المعاني ، وتنتشي الألفاظ بعبق السحر الكامن بين أمواج
البحر وهيبة التاريخ ...
لصور ، ترتفع تراتيل المجد والعظمة ، وتـُتلى صلوات
الخلود المخضبة بالأحمر القاني ، فتعانق آيات المآذن صدى
أجراس الكنائس في سيمفونيةٍ إلهية خالدة ...
لصور ، يشرق الضوء في
ألقٍ
، وتهرول باقات النور لتلامس أياديها البيضاء ، فينساب
الصبح مشتاقاً باسماً ، ليدغدغ الدفء حنايا الرمال ،
وتستيقظ حبيبات الندى الغافية على أوراق الليمون الحبلى
بثمار الحياة ...
لصور ، تهب الريح منذ فجر العمر ، فيحمل البحر مراكبها
الذاخرة بعذارى الحروف وروائع الأبجدية ، لتوقظ الإنسانية
من سبات الجهل ولترقص الكلمة فوق الشفاه المتعبة من قسوة
الأمية ...
لصور ، تتلاقى مياه البحر كأذرع ِ عاشقٍ يحتضن خصر
معشوقته ، ويعلو موجها في وجه الطامعين بكنوزها ، فتنام
مراكب الصيادين وتغفو الزواريب العتيقة مطمئنةً إلى حارسها
الأزلي ...
وُلـِدت صور منذ أن صرخ التاريخ صرخته الأولى ، وحبت إلى
جنبه وخطت معه خطواته الأولى ، فكانت رفيقته على مدى الدهر
والعصور ، عشقها صبيةً فاتنة الجمال تخلب العقول بسحرها
اللامتناهي ، فتوجها أميرة على بقية المدن ، وعمدها
بالقدسية ، فأضحت هياكلها قبلة كل مؤمن يرجو القرب من الله
. وتنادى البشر من أصقاع الدنيا ، ينشدون معابدها ليقدموا
القرابين ويوفوا النذور بإيمان خاشعٍ مملوءٍ بالرهبة
والرجاء .
هكذا هي صور منذ البدايات، يقصدها الناس فيُفتنون بها
وكتبون في وصفها أروع الكلمات ، زارها الشاعر الإغريقي
نونوس فأدهشته بتكوينها وتشكيلها
فقال عنها "إن
صور تقع في وسط البحر قطعة من اليابسة تلتف حولها المياه
من جوانبها الثلاثة ، تستلقي فيها كما لو كانت عذراء تسبح
تاركة ً للمياه الرأس والعنق والصدر ، ناشرة ً ذراعيها إلى
الجانبين ، بينما يضفي الزبد على جسدها بياضا ً ناصعا ً
وترتكز برجليها إلى الأرض ، تضم اليم في معانقة ٍ متينة" .
يتدفق الجمال من كل زاوية من زواياها ، ويغار الحُسنُ من
إبداع مناظرها ، حتى الآلهة لم تقاوم هذا السحر والجمال
فسكرت بمفاتنها ، وها هو الإله باخوس يخاطب الإله ديونزيوس
متسائلا ً " أيها المرصع بالنجوم ، أخبرني عن هذه البلاد
وعن شكل الجزيرة ! أي إله بنى المدينة ، وأي إبن سماء وضع
تصميمها ؟ من الذي رفع صخورها وثبتها في البحر من خلق هذه
الروعة وأعطى الينابيع أسماءها ؟ من ربط إلى اليابسة هذه
الجزيرة المنشقة عن البحر ؟ " .
صور ، يا أم الحرف ، ومدينة الأرجوان ، أيتها الطاهرة
كزهر اللوز ، النقية كحبات البرد ، الدافئة كشمس الصباح ،
الحنونة كلمسة أم ، صور يا أيتها العذراء المتضوعة بعطر
الحياة ، المُرفلة بألوان الربيع ، لك السلام والحب
والمودة ، مني يا مدينتي ، يا قبلة حياتي ، وكعبة روحي ،
لقد أدمنتُ هواك يا بحرية العينين ،منذ أن أبصرت عيناي
أولى صور الحياة ، وسأظل على عهود حبك حتى النهاية .
المحامي خالد سهيل شعبان