كيف واجهت بلدية صور عدوان تموز وكيف وفرت مقومات الصمود؟

 

موقع يا صور- 7/11/2006

 

عند الحديث عن دور البلديات. يبدأ الحديث عن الدور الإنمائي والإجتماعي، بحيث تخاض المعارك الإنتخابية لتأخذ أشكالاً مختلفة من التنافس والمواجهة، وتشعر فيها كلّ العصبيات السياسية والعائلية.

وبالرغم من القيود القانونية التي تحدّ من نشاط البلديات، إنّما يبقى لها دوراً أساسياً في إستحداث وتنفيذ الإشراف على عملية التنمية.

إنّما الإشكالية الأساسية التي ظهرت بالآونة الأخيرة، وهي عدم إستعداد البلديات للتعاطي مع المشكلات الإستثنائية على مستوى الكوارث الطبيعية أو الحروب. بالرغم من إعترافنا بحجم المعوقات التي تحوّل أحياناً كثيرة دون تأمين أبسط المستلزمات، إضافةً إلى حالة التراضي السياسي والعسكري، وعدم تعرضنا لكوارث طبيعية، تستدعي إعلان حالة الطوارىء.

ومن هناك كان للحدث الإستثنائي والمتمثلّ بالعدوان الإسرائيلي على لبنان ما يشبه حالة الصدمة، مما أدّى إلى حالة من الإرباك والفوضى في تقرير كيفية مواجهة العدوان على الصعد الإنسائية والصحية ومساعدة وإيواء النازحين وتأمين أبسط مستلزمات الحياة.

 خاصةً وأنّ مدينة صور قد تحوّلت خلال الأيام الأولى للعدوان إلى ملاذ لمعظم النازحين من قرى وبلدات الجنوب، مما فرض علينا أعباء إستثنائية، خاصةً وأنّ العدوّ قد نفّذ وبسرعة كبيرة مخططاته المعدّة مسبقاً في قصف الجسور والطرقات والمنشآت العامة، وخاصةً الكهرباء، مما أدّى إلى أمرين إثنين:

أولاً: عزل القرى والبلدات عن بعضها البعض، وجنوب الليطاني عن صيدا وبيروت.

ثانياً: فرض حالة الحصار على منطقة الجنوب الليطاني، وبالتالي ضرورة الإعتماد على الإمكانيات المتوافرة في المدينة لتأمين مستلزمات الحياة، لأنّ قدوم المساعدات غير مضمون.

        ومن هنا فإنّ الخطوة الأولى لبلدية صور، كانت إستدراك عدم وجود خطط مسبقة للطوارىء، وذلك من خلال الدعوة إلى لقاء عاجل لكافة مؤسسات المجتمع المدني المعنية بمواجهة مثل هكذا ظروف.

        الأربعاء 12 تموز 2006، عقد لقاء موسّع في بلدية صور، ضمّ إضافةً للمجلس البلدي، الصليب الأحمر اللبناني-الدفاع المدني-كشافة الرسالة الإسلامية-كشافة الجرّاح-جمعية التجار-نقابة عمال ومستخدمي المياه والجمعيات الأهلية.

        وقد تمّ وضع خطة طوارىء ، وهي تشمل:

-       تأمين المحروقات

-       تأمين الأفران

-       تأمين المواد الغذائية

-       تامين الخدمات الصحية

-       تأمين الخدمات العامة

        وقد تمّ تشكيل لجنة طوارىء عليا، يتفرع منها لجان طوارىء بكلّ قطاع.

وقد جرى العمل بدايةً على إحصاء المتوافر في كلّ قطاع من القطاعات المعنية، وضع اليدّ خاصةً على المحروقات لتأمين مستلزمات المستشفيات والأفران وسيارات الإسعاف.

الصعوبات:

الخميس 13 تموز 2006: مع بدايات الفجر، بدأت موجات النازحين تغطي المدينة، فتحت المدارس والمراكز العامة والمساحات السفلى للأبنية، إضافةُ إلى إستضافة العديد من سكان المدينة لأقاربهم وأصدقائهم في منازلهم، وإستمرت موجة النزوح نحو المدينة للأيام الأولى، إلى أن وصل العدد إلى حوالي 30 ألف نازح قبل أن نتوقف عن متابعة الإحصاء.

ومن هنا برزت مجموعة من المشكلات الأساسية:

1-    عدم إستجابة الهيئة العليا للإغاثة فوراً، لتأمين مستلزمات النازحين (بالرغم من وجود ممثلّ للهيئة في المدينة).

2-  قامت البلدية وعلى حسابها الخاص بشراء كميات من المواد الغذائية وفرش الإسفنج (المتوافرّ في السوق) وقامت بتوزيعها على الموجة الأولى للنازحين.

3-  عدم إمكانية تأمين أية مساعدة للنازحين الجددّ، مما خلق حالة مأساوية حقيقية، سيما وأنّ النازحين قد حضروا إلى المدينة بحالة الهرب من الموت والدمار، دون أن يتمكنوا من إحضار أغراضهم حتى الشخصية منها.

4-  إنسحاب عدد كبير من المتطوعين في لجنة الطوارىء، مما جعل الحمل بأكمله على بلدية صور، خاصةً وأنّ الصليب الأحمر اللبناني كان له مهماته الخاصة إلى جانب الدفاع المدني وكشافة الرسالة الإسلامية-الدفاع المدني، وقد كانوا علامة فارقة على مستوى العطاء الإنساني.

5-  بعد تعرّض المدينة للقصف المباشر، حدثت موجات متداخلة للنزوح من المدينة لخارجها، ومن الخارج إلى الداخل، مما أوجد حالة إرباك أشدّ صعوبة من تحديد عدد النازحين والمقيمين وإعتماد آليات محدّدة لتوزيع المساعدات.

6-  عدم توافرّ الجهاز البشري بالشكل المطلوب في البلدية وصعوبة إستعمال السيارات والشاحنات، مما أوجد لدينا تحدٍّ حقيقي في عملية الإغاثة والإستمرار في العمل.

 

وأمام جملة التحدّيات، كان لا بدّ من أن تأخذ البلدية وعلى عاتقها المبادرة لتولّي زمام الإدارة الحياتية والصحية والإجتماعية والسياسية، في ظلّ غياب فاضح لكلّ مؤسسات الدولة.

ومن هنا قامت البلدية بالأمور التالية:

1-  إفتتاح مستوصف طبي في البلدية، ومن ثمّ توسيعه، وتأمين التعاون الكامل مع منظّمة أطباء بلا حدود لإفتتاح مستوصف آخر في الحارات القديمة.

2-    ممارسة الضغط الإعلامي والسياسي على الهيئة العليا للإغاثة لإرسال المساعدات الإنسانية (على قلتها أثناء الحرب).

3-    تأمين المحروقات والطحين للأفران.

4-    تأمين المحروقات للمستشفيات وسيارات الإسعاف.

5-    توزيع المساعدات الغذائية والخبز على النازحين والمقيمين.

6-  تأمين الرعاية والمساعدة للمؤسسات الإنسانية التي قدمت إلى المدينة، وتأمين وصول المساعدات لمستحقيها. وهي على سبيل المثال لا الحصرّ P.URGENCE-الهيئة الإسلامية للإغاثة-منظّمة الغذاء العالمي-الصليب الأحمر الدولي.

7-  التواصل مع المؤسسات الإعلامية المحلية والعربية والدولية وتأمين المساعدات اللازمة لها، لنقل الصورة الحقيقية عن مأساة شعبنا وحجم الدمار الذي نتعرّض له من عدوّ غاشمٍ.

8-    التواصل مع المستشفى الحكومي، لتأمين جثامين الشهداء.

9-  تأمين التواصل مع مختلف القرى والبلدات المجاورة ومساعدتها في تأمين المساعدات الإنسانية والصحية، وإعادة فتح الطرقات.

10- التواصل مع مصلحة مياه صور، لإستمرار تأمين مياه الشرب إلى المدينة وإصلاح الأعطال وتأمين مستلزمات الصمود.

11- التواصل مع ورش عمال كهرباء لبنان، لإستمرار العمل في معمل صور، وتصليح الأعطال على الشبكات نتيجة القصف لأحياء المدينة.

12- مواكبة عمل كافة القوى والأجهزة الأمنية وتأمين الخدمات اللازمة لها.

13- متابعة أعمال البلدية الروتينية، مثل جمع وترحيل النفايات منعاً لتفشّي         الأمراض والقيام بأعمال الصيانة اللازمة لشبكات الصرّف الصحي.

12- تأمين مستلزمات الصمود لموظفي أوجيرو، لإستمرار تأمين الخدمات الهاتفية، إضافةً إلى الكثير من المجالات التي كانت تتابع لحظة بلحظة، مع إستمرار الإتصالات السياسية اليومية بكافة المراجع والهيئات.

إنّ القتل والدمار ليس غريباً على العدوّ، إنّما الغريب أن لا تلقى العون من القريب. فتقصير الدولة كان معيباً إنعكس على آدائنا، وتحملّنا الضغط والمهانة أحياناً. وبالرغم من ذلك حرصنا على البقاء مع الناس الصامدين حتى ولو بقي واحد منهم، سيما وأنت ترى العزة والكرامة في أعينهم، إنّما حاجة العجوز والطفل إلى الغذاء والدواء لم تترك مكاناً لكثير من الإعتبارات.

 

إنّ قراءة التجربة السابقة بتأنٍ، لا بدّ وأن تستولد مجموعة من الأفكار حول كيفية التعاطي مع الأحداث الإستثنائية، على إعتبار أنّه من الضروري البدء بتشكيل آلية للعمل، لمواجهة الكوارث الطبيعية والحروب والظروف الإستثنائية تماماً كما يتم التخطيط وإيجاد الآليات للتنمية والتحديث، لأنّ حماية المدينة وناسها وإنجازاتها وتأمين الحدّ الأدنى لهامش الآمان المعيشي والصحي أثناء الظروف اللا طبيعية، هو تماماً من مستحيل الملاحظات الأساسية التالية:

أولاً: أنّ المدينة تفتقر لكلّ مقومات الصمود في الحرب وعلى كلّ المستويات وإن بنسب متفاوتة، بسبب عدم وجود خطط للطوارئ أو الإجلاء. وهذا الأمر ينطبق أيضاً على مستوى حدوث الكوارث الطبيعية.

ثانياً: المدينة كانت أشبه بجزيرة معزولة على المستوى السياسي، ولولا وجود وسائل الإعلام، لما إستطاع أحد في العالم سماع صوتنا ومعرفة حجم المعانات لدينا.

ثالثاً: سجل غياب رسمي شبه كامل لأجهزة الدولة الإدارية مع تحديد تحرك القوى الأمنية الرسمية.

رابعاً: الهيئة العليا للإغاثة، لم تكن على المستوى المطلوب خاصةً في الأيام العشرة الأولى للحرب.

خامساً: غياب كامل للتجهيزات المطلوبة في أعمال الإنقاذ، وبالتالي الإعتماد على وسائل بدائية أدّت ربما إلى خسائر بشرية لربما كان أمكن إنقاذها.

سادساً: الدفاع المدني الرسمي، غير مجهزّ وغير مؤهل لمواجهة آثار العدوان وهو لا يملك لا العنصر البشري الكافي أو التجهيزات المطلوبة، وإن كان عمل بجدٍ وضمن إمكانياته.

سابعاً: إعتماد المركزية ضمن المؤسسات العامة الخدماتية (مياه-كهرباء) وعدم وجود مخازن لقطع الغيار بكاملها في المنطقة.

 

        ومن هنا فإن يجب العمل عليه، هو التالي:

أولاً: على مستوى الخدمات العامة:

1-  ضرورة تكوين خرائط هندسية كاملة للبنية الفوقية والتحتية، وإبراز مجالات الخدمات فيها بشكلٍ واضح للعمل أثناء حالات الطوارىء.

2-      العمل على تكوين شبكات الخدمات العامة (مياه-كهرباء-هاتف-إلخ...) بشكلٍ يستوعب حالات الطوارىء.

3-      العمل على إيجاد مخارج (منافذ) للمياه، لسيارات الإطفاء في كلّ الطرقات والساحات.

4-      إعادة تأهيل الأبنية القادرة على إستيعاب موجات النازحين (في الحرب) والإلتجاء (في الكوارث) وتجهيز خدماتها.

5-  إحصاء شامل لكلّ المؤسسات الأهلية التجارية والتي لها علاقة بإغاثة الناس(محلات تجارية غذائية-تعاونيات-محطات محروقات-مولدات-مياه-أدوية وصيدليات- إلخ...)

6-      تأمين مستودعات للمحروقات (مثلاً في الحدائق العامة) مع مولدات خاصة، إضافةً للمحطات الخاصة.

7-      الإستفادة من المولدات الخاصة (الإشتراك) للخدمات العامة وفق آلية محدّدة.

8-  إيجاد مستودعات للطحين والمواد الغذائية الأساسية، يتم التعامل معها مراكز تخزين وتوزيع، على أن لا ينخفض مستوى المخزون فيها اليومي عن معدّل 75%

ثانياً: على المستوى الصحي:

1-  إعادة تأهيل وتجهيز المستشفى الحكومي ليكون قادراً على إستيعاب حالات أكثر مع تأمين مستودعات دوائية دائمة فيه ليس فقط للعمل ضمن المستشفى، وإنّما للعمل ضمن مستوصفات طوارىء.

2-     إعادة تأهيل وتجهيز مركز طبابة صور، وجعلها في حالة تفاعل مع إيجاد مخزون دائم فيها.

3-     دراسة وضع المستوصفات الطبية في المدينة والإستفادة منها كمراكز طوارىء.

4-  ضرورة تهيئة أكثر من مكان، لإستحداث مراكز علاج ميداني (عمليات جراحية طارئة وصغرى مع إسعافات أولية متقدّمة).

5-  وضع سياسة صحية وإلزام العاملين بالقطاع الصحي على البقاء، والعمل ضمن المراكز الصحية ومراكز الطوارىء، مع تأمين أفضل الشروط الممكنة أثناء الحرب لمساعدتهم.

6-     تأمين سيارات إسعاف مجهزة تكون خاضعة لإشراف البلدية أو أية غرفة عمليات طبية مستخدمة.

 

ثالثاً: على مستوى التجهيز:

1-     ضرورة إعادة النظر في الدفاع المدني الرسمي، لناحية عدد الموظفين وأعمارهم وتدريبهم وتجهيزهم.

2-  ضرورة وجود آليات حديثة وكبيرة (جرافات-رافعات سلالم-شاحنات...) من التي تستعمل للإتقاذ وإزالة الردميات ونقل المياه والمحروقات.

3-     وجود تجهيزات خاصة لبناء العبارات والطرقات ضمن الممكن مع ضرورة وجود مخزون دائم منها.

 

رابعاً: على مستوى الإدارات الرسمية الخدماتية:

- ضرورة التأكيد على إيجاد فرق للطوارىء قادرة ومجهزة للعمل في الظروف الطارئة على مستوى الكهرباء-المياه-الهاتف، سيما وأنّها تشكل عناصر أساسية للصمود لا يمكن تجاهله، أو التزرع بأية أسباب للتقاعس عن القيام بالواجبات.

- وهنا لا بدّ من التأكيد على ضرورة إيجاد مصادر للمياه ضمن المدينة بمعزل عن المحطة الرئيسية أو النبع الرئيسي، لا تستعمل إلا بحالات الطوارىء القصوى.

 

        إنّ هذه الإجراءات المطلوبة والتي قد تؤدي إلى حالة من الإحباط نتيجة لعدم توافر الإمكانيات لدينا لتحقيقها، إنّما يجب أن تبقى حافزاً أمامنا لإنجاز ما أمكن، وإن بالتدرج ولربما نصل يوماً إلى مصاف المدن المتقدّمة حضارياً في تأمين وسائل البقاء على قيد الحياة، في الظروف الإستثنائية.

        لربما كانت كالحلم... لكننا نؤمن بأنّ بداية إنجاز الأشياء لا بدّ وأن تبدأ كحلم..

 

        ومن هنا فإنّ المطلوب من البلدية، أن تمدّ يد التعاون إلى كلّ مؤسسات المجتمع المدني سواء لإنجاز هذه الآلية أو لممارسة كلّ الضغوطات الممكنة على الدولة اللبنانية لإنجازها.

 

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©