| |
|
ألبيان
... ابن صور الرائد في حقوق الإنسان
|
موقع يا
صور- 14/6/2006
المحامي
الاستاذ منير مغنية
"
إن ما يعنينا، معشر الفقهاء،
هو أن نمتهن العدالة صناعة، وأن نميّز بين ما
هو عدل فنرشد إليه، وما هو ظلم فننبه منه
"
"
أُلبيان"
كان الحقوقيّ المؤرخ البروفسور توني أُونوريه
Tony Honore
، أستاذ شرف القانون المدنيّ في جامعة اكسفورد،
قد أصدر في عام 1982 كتاباً عن أُلبيان (Ulpian
دوميسيوس أُولبيانوس) الفقيه الوثنيّ
الرومانيّ الموسوعيّ الفذّ، ورجل الإدارة
والحكم والقضاء، وأحد أعظم الحقوقيين وأكثرهم
تأثيراً في التاريخ، الصوريّ الأصل والمولد
والنشأة. تناول فيه حياة وفكر ودور وآثار هذا
الحقوقيّ الخالد بما لم يسبق إليه أحد من
الباحثين قبله.
|

العظيم
اولبيان الصوري
|
وها هو المؤرخ أُونوريه، يأتي، بعد حوالي ربع
قرن، ليصدر طبعة ثانية لكتابه هذا، بتسمية
معدّلة:
"
أُلبيان... الرائد في حقوق الإنسان
"،
أملتها ما أظهرته الأبحاث والدراسات الحديثة
حوله، فأنتجت ثلاثة فصول جديدة، لعلّ أهمها أن
أُلبيان، بآرائه وبماكتبه وشرّعه وأقامه، أو كان
ملهماً لتشريعه وقيامه، يُعْتَبرُ بحق، الرائد
السبّاق في حقوق الإنسان.
عاش أُلبيان في العهد الذي تولّت فيه أسرة
فينيقيّة من حمص وصور، أسرة سيفير (سبتموس
سويروس 193-235) عرش روما، وهو باجماع المؤرخين
أعظم عهود الأمبراطوريّة الرومانيّة حضارة
وتقدماً. وقد تولّى بابنيان، أمير الفقهاء، في
حكم سبتموس سويروس رئاسة الديوان، أعلى المناصب
الإمبراطوريّة، وعاونه في ذلك مستشارون كان
أبرزهم أُلبيان الذي أصبح فيها بعد، عندما تولى
اسكندر ساوروس العرش، وهو فتى، الوصيّ الفعليّ
غير المعلن، على العرش، وصانع ما ساد عهده من
سلام، وازدهار، واستقرار، ونزاهة وعدالة، افتقرت
إليها العهود الرومانيّة الأخرى. وفي الروايات
التي يقول بها المؤرخ روبرت كليف أن أُلبيان كان
مربياً لاسكندر ساويروس فأخذ التلميذ عن أستاذه
سموّ الخلق والتسامح والبساطة التي عرف بها .
زمرة القتلة
وقد أحدثت أسرة سفير الفينيفيّة، بتأثير من فكر
مستشاريها الفينيقيين، وعلى رأسهم بابنيان
وأُلبيان تحوّلاً هاماً، وتجديداً عميقاً في
نظام الدّولة الرومانيّة وبنية تشريعاتها، كان
أهم آثارهما إدخال الأجانب في إطار المواطنة مع
ما تعطيه من حقوق وحريّات عامة وشخصيّة، وجاء
ذلك كله انعكاساً لمنطلق عقائديّ كان يعتنقه
أُلبيان وهو: أن البشر، بطبيعة وجودهم، أحرار
متساوون ويتمتعون بالكرامة الإنسانيّة ذاتها...
وأن القانون يجب أن يُبنى على فكرة الخير، ولا
خير في القانون إذا لم يتوخ الفقيه عبره، إحقاق
الحق وإقامة العدالة... وهذه القيم الإنسانيّة
الخالدة هي نفسها العناصر الجوهريّة الأساسيّة
التي كوّنت حقوق الإنسان المعاصرة كما كرستها
الشرائع الحديثة... ومن هذا السياق بالذات
يُعْتَبَرُ أُلبيان الرائد في حقوق الإنسان
والسبّاق إليها.
وكان هذا المنحى
"
الأخلاقيّ
"
الإنسانيّ الكوسموبوليتي لفكر أُلبيان أثراً من
آثار فلسفة زينون الرواقيّة
التي
كانت مزدهرة في صور ومسيطرة، كمذهب، على مدرسة
الحقوق في بيروت، فتأثر بها أُلبيان عندما نشأ
وترعرع في صور، وصبغتْ فكره عندما كان تلميذاً
في تلك المدرسة، ثم حملها معه إلى روما وظلّت في
بنيانه الفكريّ، وهي التي أكسبته هذا الحسّ
الطافح بالعدالة، الملتزم احترام الذات
البشريّة، المحافظَ على كرامة الإنسان كأنسان.
|
ولعل أهم ما تميّز به أُلبيان
هو إسهامه، في إقامته، في عهد اسكندر ساويروس،
ما يمكن تسميته بالحكومة النظاميّة التي
للقانون في كنفها الإحترام الأهم، والثقل
الأوّل، والتي تحت جناحيها، لا يُحكم على أحد،
ولا يُنفّذ بأحد أي حكم، إلا نتيجة محاكمة.
وكان لأُلبيان من الثقل
والحضور الحقوقيين أن الأمبراطورين تيودوز
الثاني، وفالانتيان الثالث في المرسوم الشهير
الذي صدر في عام /486/ أي بعد مرور قرنين على
وفاة أُلبيان، والمعروف بدستور الأسانيد، جعلا
في الطبقة الأولى من الفقهاء الذين يُرجع
إليهم حصراً في القضاء والحكم والفتوى أُلبيان
إضافة إلى غايوس وبابنيان وبول ومودستينوس
وذلك بحسب التراتبية التالية:
|

Tony Honore
|
1
لا قوّة ولا اعتراف شرعاً إلا لمؤلفات الفقهاء
الخمسة وحدهم دون سواهم على وجه الحصر.
2 إذا أجمع الخمسة على رأي معين فيكون
لإجماعهم قوّة القانون.
2 إذا تباينت الآراء فيما بينهم فيؤخذ برأي
الأكثريّة.
4 إذا تعادلت الآراء فيكون لأُلبيان الرأي
الراجح.
5 إذا خلت مؤلفاتهم من رأي في المسألة
المطروحة فللقاضي أن يجتهد.
ومن المبتوت أن أهمّ مصدر اغترفت منه مدوّنة
جوستنيان
corpus
juris civiles
، أعظم أثر حقوقّي في تاريخ الإمبراطوريّة
الرومانيّة السفلى، لا بل أعظمها، كانت مؤلفات
أُلبيان في الحقلين
المدنيّ والبريتوريّ. وأن نسبة قدرها من /40/
إلى /42/ بالمائة من مواد تلك المدوّنة هي من
قلم أُلبيان، حتى أنه لتمحيص صحة نسبة نص ما
إلى أُلبيان يُعمدُ إليوم إلى مقارنته إنشاءً
وسبكاً، وتعابير، ومفردات، بنصوص تلك
المدوّنة. وقد وضع أُلبيان تعليقاً على منشور
البريتور جاء في /81/ جزءاً، وشرحاً للقانون
المدني جاء في /78/ جزءاً هذا إضافة إلى
شروحات موجزة
. وكان قلم أُلبيان غزيراً
لدرجة أنه ما بين عام /213/ وعام /217/ كان
يكتب بمعدل كتاب كل أسبوع. كما يؤكد ذلك
المؤرخ أُونوريه.
وجاءت الطبعة الجديدة للكتاب في /300/ صفحة من
القطع الوسط، مسندة إلى /286/ مرجعاً متخصصاً،
وقد ألحق بها المؤلف فهارس للمصطلحات
الحقوقيّة اللاتينيّة، وأخرى لمؤلفات أُلبيان
الثابتة نسبتها إليه والمشكوك فيها. وخصص
المؤلف الفصل الأوّل من الكتاب لمبحث:
"
بيئة أُلبيان الأولى وسيرته"
... وقد ولد أُلبيان في صور، على الأرجح في
عام 170م ونشأ وترعرع فيها، ودرس الحقوق في
مدرسة بيروت:
"الأم
المرضعة للحقوق"
ثم تولّى التدريس فيها، وانتقل من بعد إلى
روما حيث عيّنه أستاذه بابنيان نائباً له في
رئاسة الديوان الامبراطوريّ، ثم حلّ محلّه فيه
كما أشرنا.
وتوفي
أُلبيان في روما في قصر اسكندر ساويروس،
مقتولاً على أيدي زمر من الحرس الأمبراطوري
المتمرده. وإذا كان السبب في قتل بابنيان، رفض
أمير الفقهاء أن يضع للطاغية كركلا فتوى
يقدّمها لمجلس الشيوخ تبرّر أمامه قتله شقيقه
جتّا وهو يلوذ بوالدتهما جوليا الميّاسة
محتمياً بها وبين ذراعيها، قوله له
"
أسهل على المرء أن يقتل أخاه من أن يجد مبرراً
لقتله"،
فإن السبب في قتل أُلبيان كان الحسد والغيظ من
المنزله التي كانت له في بلاط اسكندر سويروس،
والمهمة التي اضطلع بها فيه، إدارياً وقضائياً
وتشريعياً، والحملة الشعواء التي شنّها، وهو
في منصبه هذا، على الفساد المستشري في الحرس
الإمبراطوري وأسياده. فأثار عليه هذا أو ذاك،
حقد المتضررين الناقمين، فتحين فريق من الحرس
الأمبراطوريّ الفرصة وانقضّ عليه للفتك به،
فلجأ إلى قصر اسكندر ساويروس، ولكن الأمبراطور
لم يستطع أن يحول دون قتله، على الرغم من أنه
ألقى عليه بوشاحه الأمبراطوريّ الأرجوانيّ،
ليضفي عليه هالة وحصانة وقداسة. ولكن ذلك لم
ينفع في ردع تلك الزمرة من القتلة، عما صمموا
عليه، كما لم يردعهم لا حضور الإمبراطور
ووالدته، ولا الوشاح الأرجوانيّ وقدسيَّته
فقضوا عليه.
وكان أُلبيان متعلقاً ببلده صور، فخوراً
معتزاً بها، يصفها بالمشرقة وذات الأمجاد،
المنيعة بالعنفوان والسلاح، والوفية لعهودها
لروما ويُلاحظ المؤرخ أُونوريه أنه ينفرد بين
غيره، بأنه يُكثر من ذكر بلده صور والإشارة
إليها في ما كان يكتب. ومن الطّريف أن نذكر
هنا أن وليم الصّوري، إبن صور الآخر وأسقفها
الشهير مؤرخ الحروب الصليبيّة، يستعير في
كتابه هذا ليصف بلده صور، ما كتبه أُلبيان
نفسه عنها حيث يُنقل عنه قولَه:
"وإذا
أخذنا برواية القانونيّ الفذ أُلبيان، المولود
في صور فصور مدينة موغله في القدم، لأنه يقول
في
"وجيزه"
تحت عنوان
"الإحصاء"
أنه من الأمور الثابتة التي لا يرقى إليها
الشك أنه كان في بعض المستعمرات حقوق إيطالية
وقد أتاح موقع صور التي وُلِدْتُ فيها والتي
هي أحدى المستعمرات الجليلة أن تتسنم ذروة
القيادة، كما أن ظهورها منذ زمن بعيد ومنعتها
الشديدة جعلاها ترتبط ارتباطاً وثيقاً مع
الرومان فضلاً عن تمتعها بالحقوق الإيطالية
التي منحها لها امبراطورنا المقدس ساويروس
مكافأة لها على صدق عهودها مع جمهورية روما
وإمبراطوريتها"
قراءة
ولسنا في هذه العجالة، بصدد تحليل ودراسة هذا
المؤلَف النفيس، وإنما أردنا فقط التعريف
بالكاتب والمترجَم، والتنويه بفرادة، ودقّة،
وغنى، وشمول مباحثه المشَوّقة، والتي تجعل منه
أهم ما كُتب عن أُلبيان، وللقول من ثم إن على
الجمعيّات الثقافيّة في صور، وهي في نشاط دائم
وتوسع مضطرد أن تعير اهتماماً فعليّاً بتراث
صانعي مجد صور العسكريّ والحضاريّ الحقيقيين،
من أمثال: أُلبيان ووليم الصوري، وبورفيروس،
وأُبولونيوس، وجيمينوس والشاعرين ملياغر وعبد
المحسن الصوري وغيرهم وغيرهم. وذلك بنشر
تراثهم وترجمة ما كُتبَ ويُكتبُ عنهم،
والاحتفال بذكراهم. وعلى بلديّة صور أن تكون
وفيّة أيضاً للكبار الخالدين من أبنائها.
ونذكّرها بأن صور الرومانيّة أقامت نصباً
لأُلبيان، وهو من المكتشفات الأثريّة فيها قرب
قوس النصر المعروف في البص، كما أقامت له روما
نصباً آخر، لأن روما لا تنسى عظماءها. فلماذا
نتقاعس نحن!!. ألا يستحق أُلبيان من مدينته
صور التي أحبها وتباهى بها وحملها في قلمه
وقلبه إلى العالم حتى أصبح لا يُعرف إلا..
"بأُلبيان
الصّوري"
أن تُسمّى، على الأقل، إحدى ساحاتها بإسمه،
وهل أن أليسار وغيرها هم في الثقل الحضاريّ
الإنسانيّ الحقيقيّ أهم من أُلبيان!؟ أم أن
كبارنا يظلّون عندنا منسيين لأنه ليس من مكانٍ
لهم بعدُ في هذا الزمان الرديء.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً
على النفس من وقع الحسام المهند
|
|
|
|
رجـــوع
 |
|
|
|
|
|
جميع الحقوق محفوظة لموقع يا صور
yasour.com 2005 © |
|
|