خزان الخراب في صور : بني ليروي الحارة ولم تصله المياه ابداً

 

موقع يا صور - 1/4/2007

الى كل صوري متواضع يعشق مدينته وامكنتها وناسها نهدي هذا التحقيق :

قادماً من زمن صور الجميل ...  ممتطياً ظهر الجمل الرابض منذ آلاف السنين على كتف البحر يداعبه زبد الموج المتكسر على اقدامه الصخرية بتناغم ازلي ....

منتصباً في قلب الخراب كطودٍ صارعته السنين الطوال فما نالت من هيبة وقفته ....

حاملاً وجه المدينة الاصيل ... محتضناً قلبها الدافئ .. فأمسى معلماً من معالمها تماماً كقوس النصر ...

انه خزان الخراب في مدينة صور ....

على اعمدته حفر ملح البحر بعضاً من روايات الليالي الموحشة وبعضاً من قصص الثورة والبطولة ...

وبين حناياه ذكريات لعشاقٍ مروا به ذات يومٍ ثم غابوا وما رجعوا ...

ومن مشهده المألوف في ذكرة الصوريين منذ عقود سمات لأناس يعشقون الارتباط بتاريخهم وجذورهم واصالتهم .

 

 

خزان الخراب

اوائل الخمسينيات تفاءل الصوريون الفقراء من سكان الحارة القديمة ذات الازقة الضيقة والبيوت المتداعية التي لا تصلها الماء ، تفاءلوا خيراً وهم يرون مصلحة المياه في صور قد بدأت ببناء خزان كبير على تلة مرتفعة نسبياً جنوبي الحارة في منطقة الخراب مشرفة على البيوت القديمة ، فقد قيل لهم ان هذا المشروع سعى لانجازه احد سياسي ذاك الزمان ويهدف لجر مياه رأس العين الى الخزان ومن ثم توزيع الماء بالمواسير ( كان الصوريون يطلقون على مواسير المياه اسم الحية ) على كل بيوت الحارة.

وانتظر ابناء الحارة كثيراً ، فالخزان انجز بناؤه وتم تجهيزه بالمواسير لجر المياه من رأس العين اليه ولم يعد يتبقى سوى ان تبدأ عملية الضخ وتوزيع الماء على الحارة ، وانقضت الانتخابات النيابية عام 1952 ونام المشروع ولم تصل المياه ابداً لخزان الخراب .

وبمرور السنين تم توصيل المياه الى البيوت مباشرة بواسطة شبكة مواسير معدنية فلم يعد هناك من حاجة لخزان الخراب فبقي واقفاً على كتف المدينة يرقب الايام تمر والمدينة تتغير وتتمدد نحو حي الرمل والمدافن تقترب منه وتلتف من حوله حتى اصبح في نقطة تتوسط المدافن الاسلامية وتلك المسيحية .

اذن لم تصل المياه الى الخزان فظل ظمآناً كما المدينة التي ما انفكت تتطلع الى ايامها الخوالي ، اما ابناؤها فكانوا ينظرون الى الخزان ولا يعرفون لماذا تم تشييده حتى اعتقد بعضهم انه من آثار العصور الغابرة .

ولم يترك الصوريون الخزان دون ان يستفيدوا منه وان بغير الغرض المخصص لاجله وهنا يطلعنا بعضهم كيف انه اصبح مقصداً للطلاب يأتون اليه ويتظللون بفيئه او يجلسون على عوارضه الاسمنتية وهم يحفظون دروسهم وينجزون فروضهم حتى بات يعرف في الحارة ان من يريد الدرس بجد واجتهاد بعيداً عن الضوضاء ما عليه سوى التوجه الى الخزان .

 

صورة لاثار الجعفرية اوائل الخمسينات يظهر في طرفها خزان الخراب

 

آخرون استغلوه في عروض للجرأة والشجاعة فكان بعض الشباب او الفتية يتسلقونه حتى يصلوا اعلاه قبل ان ينزلوا مجدداً في اجواء من التحدي والاثارة .

ايضاً اصبح الخزان مقصداً لهواة التصوير يصعدون اليه ليظفروا بلقطة شاملة للمدينة ويخبرنا المصور العريق في صور محمد الترجمان انه صعد مرتين الى اعلاه والتقط صوراً للمدينة القديمة وللشاطئ كانت غاية في الروعة الا انه فقدها مع ما فقده من ارشيفه النادر بعدما تعرض الاستديو الخاص به للقصف الاسرائيلي خلال اجتياح عام 1982 .

وعلى مقربة من الخزان اقام الصوريون ملعباً شعبياً لكرة القدم كان الاشهر في ذلك الوقت وكانوا يشكلون الفرق الشعبية التي تتبارى في اجواء حماسية للغاية ومن هذا الملعب انطلقت النواة التي شكلت فريق التضامن صور القوي الذي ذاع صيته في الخمسينيات والستينيات ، كما انطلق منه فريق الشعلة – صور .

وفي العام 1978 اصيب الخزان بقذيفتين بشكل مباشر نتيجه القصف المدفعي الذي كانت تقوم به باستمرار ميلشيا العميل سعد حداد ولم تزل اثار هاتين القذيفتين ظاهرتين بشكل واضح في اعلاه .

وتكاد لا تمر صورة فوتوغرافية لمدينة صور سواء قديمة او حديثة ومن مختلف الجهات والزوايا الا ويظهر فيها خزان الخراب حتى اضحى وبلا مبالغة من المعالم المعروفة للمدينة.

واليوم وبعد ان تجاوز عمره النصف قرن ، ترى خزان الخراب وقد صدأت سلالمه الحديدية وتشقق الباطون وسقط من حول قضبانه التي علاها الصدأ بدورها ايضاً ، ومن غير المعلوم ماهية المستقبل الذي ينتظره وهل سيبقى واقفاً في مكانه ام سيصار لاحقاً الى ازالته لعدم الحاجة اليه ، اسئلة برسم الايام ، الا ان الثابت الوحيد ان خزان الخراب حجز لنفسه مكاناً في ذاكرة المدينة واصبح معلماً من معالمها على الاقل بنظر ابنائها وهو لن يتخلى  بسهولة عن مكانته هذه ولو ازيل مستقبلاً وغابت آثاره .

 

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©