عشر سنوات على عناقيد الغضب : مجازر ودمار وصمود وانتصار للمقاومة

 موقع يا صور- 18/4/2006

عشر سنوات مرت على عناقيد الغضب الصهيونية التي عصرتها قبضات المقاومين في جنوب لبنان وحولتها الى شهد الانتصار الذي تكامل في العام 2000 .

عام 1996 صمد الجنوب وصمد لبنان وصمدت المقاومة واستبسلت ، فخرج لبنان قوياً بمقاومته وخرجت المقاومة اكثر قوة وصلابة بقيادتها ومجاهديها والتفاف شعبها من حولها وبإعتراف العالم مرغماً بها .

وفي نيسان عام 96 قدم الجنوبيون دمائهم ثمنا لكرامة وطنهم وحريته فسقط منهم الشهداء رجالاً ونساء ً وشيوخاً وأطفال .

 

 

 

 

ملصق لطارق خضرا في ذكرى مجزرة قانا

 

 

 

المقاومة اليوم وبعد مرور عشر سنوات على العدوان ، هي اكثر قوة مما كانت عليه ، شامخة بمجاهديها وبسيدها ، كرست توازن رعب مع العدو يجعله يفكر الف مرة قبل الاعتداء على لبنان ، حققت الانتصار عام 2000 و اكدت لكل المستضعفين والمقهورين ان الدم فعلاً ينتصر على السيف .

في ذكرى عدوان نيسان نشرت صحيفة السفير سلسلة من المقالات المؤثرة التي تتحدث عن مجازر العدو في العدوان نعيد نشرها لقراء موقعنا كي لا ننسى من هو فعلاً قاتلنا وعدونا ولنعرف كيف نرد اليوم على المشبوهين الذين يطالبون بنزع سلاح المقاومة التي تحمينا وتحمي نساءنا وشيوخنا واطفالنا :

 

نبذة مختصرة عن عناقيد الغضب الصهيونية

بدأت عناقيد الغضب كما أسمتها إسرائيل حينها في فجر الحادي عشر من نيسان 1996 بقصف ملالة للجيش اللبناني عند مدخل صور أدى إلى استشهاد جندي، واستمرت حتى فجر السادس والعشرين بإطلاق آخر زخة من صواريخ الكاتيوشا من قبل المقاومة قبل عشر دقائق من تمام الرابعة فجراً وهي ساعة دخول الاتفاق حيز الالتزام به من قبل الدول الخمس وهي لبنان وسوريا والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، إضافة إلى الدولة المعتدية إسرائيل حيث عرفت هذا الورقة باتفاق نيسان وشكلت لجنة من أطرافه لمتابعة تنفيذه.
لم تحصر إسرائيل اعتداءها ضمن الهدف الذي أعلنته وهو ضرب البنية العسكرية للمقاومة وإنما وسّعت نطاق اعتداءاتها لتشمل جميع القطاعات الحياتية والاقتصادية من الجنوب وحتى بيروت، كما لم تسلم التجمعات السكنية من هذه الاعتداءات فارتكبت عدة مجازر كان أفظعها في مركز الأمم المتحدة في قانا عندما طالت الضربات الإسرائيلية حتى فرق قوة حفظ السلام الدولية، فألقت قنابل محرمة دولياً على مقر الكتيبة الفيجية التابعة للقوات الدولية والتي لجأ إليها الأهالي خوفاً من القصف الإسرائيلي، وكانت الحصيلة أن قتل أكثر من 100 شخص وجرح أكثر من 150 آخرين، ولم يردعها ذلك من الاستمرار في اعتداءاتها عشرة أيام أخرى لتنتهي حصيلة عدوان نيسان على مئة وأربعة وستين شهيداً وثلاثمئة وواحد وخمسين جريحاً، سقط منهم 102 في مجزرة قانا، أما الباقون فتوزعوا كالتالي: 8 شهداء في مجزرة سحمر، 7 في مجزرة المنصورة، 3 في مجزرة الجميجمة و10 في مجزرة النبطية الفوقا.
أما عن الأضرار المادية، فقد امتد العدوان من الجنوب وحتى بيروت وشمل أكثر من 170 مدينة وبلدة أصيبت حوالى 90 منها بأضرار كبيرة وفادحة، كما أصيب أكثر من 7200 منزل بأضرار مختلفة من بينها 430 دمرت بشكل كامل، كما لم تسلم المستشفيات والمستوصفات والمدارس والإدارات العامة من هذا العدوان حيث سجل تدمير أو تضرر العديد من تلك المباني وحتى دور العبادة كان لها نصيبها (تضررت 46 منها اثنان بشكل كلي) إضافة إلى سيارة الإسعاف الشهيرة في المنصورة.
وفي البنية التحتية فقد ركزت القوات الإسرائيلية على زيادة الضغط على الحكومة اللبنانية وإيجاد حالة من الضغط الاقتصادي والاجتماعي على المقاومة، لذلك فقد قامت بضرب أكثر من 80 محطة كهرباء أبرزها تدمير محطة الجمهور، كما ألحقت أضراراً بحوالى 40 بئرا للمياه و14 جسرا رئيسياً بين المناطق وأكثر من 350 طريقا مختلفا، إضافة إلى أضرار لحقت بشبكة الكهرباء والهاتف.
وكان صعباً حصر الأضرار التي لحقت بالقطاعات الاقتصادية نتيجة تدمير بعض تلك المؤسسات من جهة وتوقفها عن العمل طوال فترة العدوان من جهة أخرى، إلا أن تلك الخسائر لم تنقص عن مئات ملايين الدولارات حيث تم تدمير حوالى مئة مؤسسة صناعية أو حرفية وأصيب أكثر من 1400 محل ومستودع بأضرار متنوعة، كما أصيبت أكثر من 50 مزرعة في حين لم تسلم الأراضي الزراعية والمحاصيل والسيارات من العدوان.
كانت الخسائر التي نتجت عن هذا العدوان نتيجة ما دفعته آلة الحرب الإسرائيلية من ترسانتها إلى أرض المعركة حيث استعملت آخر ما كانت وصلت إليه التكنولوجيا العسكرية يومها، حتى انه جرى تجربة بعض تلك التكنولوجيا لأول مرة خلال هذا العدوان، فيما لم تتورع عن استخدام العديد من الأسلحة المحرمة دولياً كالقنابل المسمارية والانشطارية إضافة إلى أسلحة النبالم والقنابل الفسفورية الحارقة.
وبلغ عدد الغارات التي قام بها الطيران المعادي أكثر من 2000 غارة شنها على الأراضي اللبنانية حيث أسقط خلالها أكثر من 35 ألف قذيفة من مختلف العيارات المدمرة.

 

18 نيسان 1996 18 نيسان 2006: 10 سنوات على مشهد <الدم الصارخ>
بعضهم فقد 18 شهيداً ومعظمهم ما زال يتعذب
الناجون من مجزرتي قانا والمنصوري يتذكرون <يوم القيامة>

 

لم تكن زهرة برجي قد تجاوزت الثماني سنوات من عمرها عندما نجت من مجزرة قانا بأعجوبة. زهرة نجت جسديا، <لكنني حتى الآن ذابلة نفسياً، ولا تبرح ذاكرتي مشاهد الآلام>. تروي زهرة حكايتها: <كنا نلعب ونلهو ونأكل برغم الخوف. سمعنا صوت طيران. أدخلونا الى أحد <الهنغارات>. وبلمحة بصر، انهالت القذائف. وساد الذعر ورائحة الموت في كل مكان. شاهدت أمي مضرجة بالدماء بعدما أصيبت في رأسها وخاصرتها. عدا أشلاء أقاربي المحروقة والممزقة. أفزعني المنظر. أنا الآن، حين أسمع صوت الطائرة أو الرعد أو الضجيج، أرتجف خوفا>.
<زهرة> لم تصب بجروح. بيد أن في أعماقها جرحاً لا يلتئم: <لأن إسرئيل سلبت مني طفولتي وحضن أمي وحنان أبي>. وتردف: <بدي إسأل العالم: ما ذنبنا؟>.
هي نموذج من عشرات الضحايا والناجين الذين التقتهم <السفير> في قانا وصدّقين والمنصوري، في ذكرى مجزرتي قانا (18 نيسان 1996)، وإسعاف المنصوري (13 منه) اللتين ذهب ضحيتهما، تحت أنياب عناقيد الغضب، وفي ظل راية الأمم المتحدة، ما يزيد عن مئة شهيد غالبيتهم من الأطفال والنساء والشيوخ عدا الجرحى والمعوقين والمنكوبين.
مشاهد الرعب
الناجون تعجز ألسنتهم عن الكلام، <لأن المشاهد تؤرقنا وتطاردنا> كما تقول شادية أبو خليل (18عاما). تتابع: <لحظات كأنها قرون. أذكر كل شيء. استشهاد أقربائي أمامي، وإصابة أهلي وأولاد خالاتي والحرائق والأشلاء>. متسائلة: <كيف أنسى، وأنا أتلقى العلاج منذ 10 سنوات بعدما خرقت أصداء القذائف طبلتي أذني. خضعت لعملية جراحية في الأولى، وأحتاج الى أخرى في الثانية لا أملك تكاليفها>. تضيف شادية التي يعيلها خالها: <أشتاق لكل أهلي الشهداء>، مستدركة: <جدتي استشهدت منذ سنة بعد رحلة العذاب الطويلة. مسكينة، ظلت تتعذب من إصابتها البليغة. وما حدا قال لها <وينك> بس خالي وزوجته كانا يساعدانها في التنقل>. وشعورك الآن؟ تجيب: <كل لحظة أتذكر. وليت أهلي أحياء لكانوا عالجوني، لأن معونة <الأوادم> غير كافية>.
وعند الناجية الخمسينية سميحة علي سكيكي الذكرى توحي <بمشاهد كأفلام رعب>. تقول: لا أستطيع النوم، وعايشة على الأدوية ومسكنات الأعصاب>.
زوجها عبد برجي يحتفظ بصور شهداء بيته وأقاربه <في قلبي وعلى الجدران>. لم تبقِ له المجزرة سوى الذهول. <هذه صورتي مع أمي وأبي الشهيدين.. وأخرى لشقيقي و..>. <أشعر بفراغ قاتل. والدتي تعذبت 9 سنوات بعدما فقدت يدها ورجلها. واستشهدت قبل استشهاد الحريري بيومين>.
الحاج عبد الذي نجا، استشهد شقيقاه وزوجتاهما و18 فردا من أقربائه. <وأتكفل بستة من أبناء شقيقيّ الشهيدين>. يتذكر: <أشلاء أخي، وكذا بعض أقاربي المحروقين.. وزوجة أخي وإبنة أخي.. وغيرهم التهمتهم النيران>.
محمد برجي (15 عاما) نجا من تحت الأشلاء طفلاً. يقول: <أتذكر أمي الشهيدة وهي راسخة في ذاكرتي. وأضعف أمام هول المشاهد، وأردد بأعلى صوتي: <الله يهدك يا اسرائيل>.
محمد كرشت (27 عاما) يذكر مشهد احتماء مئات المواطنين تحت مظلة الأمم المتحدة، والقصف العمد بالقذائف المحرمة دوليا. وكثيرا ما يتأمل صور الشهداء في متحف الشهداء بقانا. <يؤلمني مشهد صديقي
محمد <ابن صفّي>. ونسيان مكان وجود أهلي، وتنقلي بين الجرحى>، محمد يطالب بمتابعة القضية في المحافل الدولية <رأفة بذاكرتنا>. في حين تعني الذكرى لدى علي اسماعيل (6سنوات حينها) <الفقد والحرمان>. <فقدني أهلي 15يوما. كنت في المستشفى. وشاهدت برك دم. وأمي أصيبت برأسها ورجليها إصابات بليغة>.
وفي منزل إبراهيم اسماعيل بقانا، فصول روايات المجزرة لا تنتهي لدى اجتماع العائلة. إبراهيم اسماعيل (إصابات طفيفة) يتذكر مشهد الفجيعة كلها، و<أول جريح حملته أخي، وطبيب الطوارئ قُطع كتفه>. ويضيف: <كان 45 فردا من أقاربي في المركز. سقط منهم 18 شهيدا، عدا عن نحو 25 جريحاً. فبأي شعور أعبر؟ ويزيد الطين بلة أن <لا أحد يهتم بالمعوقين. فيما القادمون إلى الأضرحة سواح>. ثم يؤشر إلى أخيه حسين المعوق الذي يشرح: <أحتاج إلى عمليات جراحية ملحة؛ بترت يدي. وشظية لا تزال في ظهري>. زوجة إبراهيم تقول: <شظية خرقت أذني. وأخرى لا تزال في رئتي. و<وين الاهتمام؟>. فيما تردد والدته الحاجة مريم السبعينية <شو بدي إحكي، كنت في الخيمة التي احترقت مع الأولاد. وفقدت بصري. كل أولادي راحوا أو تصاوبوا. وأحيانا بغيب عن الوعي!>. تذكر لائحة طويلة لأسماء أقرباء شهداء. وتصف الذكرى <بيوم القيامة>: <ويا ليتني أنام على الشارع، وما راح ظفر ابني>.
في صديقين
أهالي بلدة صديقين الذين التجأوا إلى قانا مأساتهم مشتركة. علي عبد الله بلحص المصاب في ظهره وعينه ورأسه، وأستشهد ثلاثة من أطفاله، أصغرهم في الشهر الثالث. <شاهدتهم أمام عيني>؛ يؤكد <أنني مصدوم. وتفشت الأمراض بجسمي. وكذا حال والده الستيني الجريح سعد الله الذي يقول: <شهداء البلدة كلهم من اقربائي. من بيتي 9 أولاد وزوجتي. أنظر للصور. بينهم أطفال. وما فيني أحصيهم كلن>. لافتا الى أن الجريمة من صنع الشيطان. كان بيتي قبلها خلايا نحل. وكل يوم أنزل الى الاضرحة؛ لأن هناك قلبي>. حفيده محمود كان عمره 6 سنوات.
وإلى منزل علي رحمة الله المفجوع ب12شهيدا من أهله. <بينهم زوجتي و..فقط نجوت وابني حسين الذي طارت ركبته. وأنا في هذا الشهر اتذكر كل شيء متألما>.
وعلى طريق بلدة رشكانانيه يقطن شوقي بلحص. <كنا 11 نفسا. راح لي 5 أولاد وزوجتي، عدا الجرحى. يا لطيف كانه يوم قيامة>. ابنه حسن (12سنة حينها)، يشعر بغربة وعزلة. <أصبت بشظية في رأسي. وحين استيقظت بعد 27 يوما، سألت أختي الناجية: لم لا يزورونني؟ شاهدتها تحمل صورة أهلي وعرفت. وعزائي حين أراها>.
حيدر بيطار؛ والد الشهيدين هادي (8سنوات) وعبد المحسن (9سنوات)، <وأمه قطعت يدها في المجزرة> يقول في اتصال هاتفي من أميركا: <الذكرى تقض مضجعي. طفلاي أرسلتهما في زيارة الى لبنان. وكنت مطمئنا بأنهما في مركز دولي. وأشعر بأن عضوا من جسدي بتر>.


ضحايا المنصوري
عمر زينب جحا حاليا 6 سنوات ودخلت المدرسة.. وكان عمر شقيقتها زينب سنة ,1996 تسع سنوات عندما قتلها صاروخ مروحية إسرائيلية إثر استهداف سيارة إسعاف <فولفو> كانت تغادر قرية المنصوري ويقودها والدها عباس. تقول زينب التي استشهدت والدتها منى الشويخ (27 سنة) وشقيقاتها زينب وحنين (4سنوات) ومريم (شهران ونصف): <أشوف أختي على التلفاز وهي تشبهني>. والذكرى أيضا راسخة في مخيلة شقيقها مهدي (16عاما): <كان عمري ست سنوات. وكنت في داخل الاسعاف. وما حسيت وين صرت. وأشاهد أبي عبر التلفاز حاملني ومصاب بيدي. أشعر بحزن وألم، أنعزل أحيانا وأبكي. وكنت أتمنى أمي تكون معي وترعاني>. وكذا يتمنى شقيقه عامر (ثماني سنوات حينها): <لم أكن داخل الإسعاف. كنت وراهم في سيارة عمي. نزلت وشفت المشهد المريع. ولا يزال حاضرا في حياتي. وأشعر بألم شديد>.
عباس الذي رزق بأطفال منحهم أسماء أطفاله الشهداء. يؤكد أنهم يشبهون إخوتهم. و<الجرح موجود دوما ولا أقدر أنساه. ولا أزال اتذكر المشهد وندائي يا الله>. هو يحلم دوما بأبنائه ولعبهم و<اشتقت لكلمة بابا منهم. وبحس بشي ناقص بجسمي>. مشددا على <أن لا أحد يحمي الشهداء إلا المقاومة التي <مرات تساعدنا>، منددا بعدم اكتراث قوات الطوارئ بالمشهد>. بعد ثلث ساعة تحركوا وقاموا المرأة الشهيدة أم فايز وبنت ابنها>. وبعد مطالبته بتكرار مشاهد الجريمة عبر التلفاز مرارا. يردف جحا: <الابن الثاني ليس بديلا عن الأول. ولابنتي الكبيرة منزلة كبيرة عندي. وكنت حابب شوفها تكبر أمامي وعلمها وزوجها وشوف أولادها>.

 

الطفلة الضحية اسراء اللقيس

قد لا يمر يوم منذ عشر سنوات، إلا والغصة تسكن قلب والدة الطفلة إسراء اللقيس. لكن قليلة هي الايام التي شعرت فيها تلك المرأة الجنوبية التي تسكن وعائلتها حي السلم، ان ابنتها التي أطاح الإسرائيليون بنصف دماغها بشظايا صواريخ عناقيد غضبهم، تستشعر وجعها وألمها وخصوصا العيش كبقية الاطفال، الى أن حل عيد الام هذا العام.
ومن مدرسة ذوي الاحتياجات الاضافية، عادت إسراء بعد ظهر 21 آذار ومعها هدية لأمها هي عبارة عن لوحة ركبتها بيدها اليسرى، وفيها طفلة بجدائل سوداء وخصوصا بيدين متحركتين وبجسد مسنود الى قدمين قويتين.
قالت لأمها ما معناه <هيدي اسراء بس تصح> وهي تقدم هديتها، قبل أن ترمي بنفسها بين ذراعيها. كلما نظرت دلال، والدة إسراء، الى دعاء، ابنتها الكبرى، تدرك حجم ما حصل للصغرى. لم يكن يفصل بين الشقيقتين سوى عام ونصف العام. اليوم عندما أضحت دعاء صبية ترتدي فساتينها وحجابها بإتقان الانثى الحريصة على مظهرها، لا يمكن إلا تصور إسراء وهي تسابقها في التأنق للخروج يداً بيد في مشوار أو زيارة أو حتى الى المدرسة نفسها.
تعد دعاء نفسها للشهادة المتوسطة، فيما أخرج الاسرائيليون إسراء من دورة الحياة اليومية ومدارسها وشوارعها الى الكرسي النقال الذي لم تتمكن حتى اليوم من الاستغناء عنه.
تزورها اليوم في حي السلم، تستقبلك بابتسامتها المعتادة. تقدير المدرسة يشير الى تفوقها في المواد التي تدرسها، وهي اليوم مشغولة بحروف اللغة الفرنسية التي تتعلمها للمرة الاولى. <بونجور> تحاول فرحة ان تقولها بحماستها المعتادة للذهاب الى المدرسة.
لم تزل إسراء تلح على والديها لتسجيلها <داخلي> مع رفاقها في المدرسة، لكنهم يرفضون طلبها دوماً. <ما منقدر نعيش من دونها> تقول والدتها.
لم تختر من العمر هذا النمط من الحياة. قبل عشر سنوات من الآن، كانت إسراء اللقيس نائمة في قلب دارها حين خصها الاسرائيليون وفي غمرة انتشائهم بعناقيد الغضب، بصاروخ أفقدها صحة الحياة وطبيعتها. طفلة هي اليوم؟ لا، لم تعد كذلك. أضحت إسراء صبية بثلاثة عشر عاما كانت تتمنى أن تبقى ربيعا مزهرا، ربيعا ترسمه على وريقات دفاترها وتحرص على تزيينه بفتيات من عمرها. فتيات لم تطلهن شظايا صواريخ أتقنت سرقة الفرح والحياة.

 

 

مجزرة النبطية أخذت 9 من عائلة حسن العابد
حدث ذلك بينما نور تتهيأ لدخول اليوم الخامس من عمرها

النبطية:
حدث ذلك صباح يوم الخميس في الثامن عشر من شهر نيسان قبل عشر سنوات في بلدة النبطية الفوقا. قبل ثماني ساعات من وقوع مجزرة قانا، عندما آثرت عائلة المواطن حسن العابد التي كانت تسكن في حي العقيدة الذي يشرف عليه موقعا الاحتلال الإسرائيلي في تلتي الدبشة وعلي الطاهر أن تتشبث بأرضها رافضة حياة التشرد والتهجير، بعد توالي الإنذارات التي كانت تبثها وسائل الإعلام الإسرائيلية وعملاؤها طالبة فيها وجوب إخلاء المواطنين الآمنين من منازلهم تحت طائلة التهديد والوعيد بتعرضهم لأقصى الاعتداءات.
اطمأنت العائلة إلى مخبئها الآمن في الطبقة الأرضية لمنزل جارها علي جواد ملي الذي هجر الحي وتركه لها، في الوقت الذي كان فيه رب العائلة حسن العابد قد توجه إلى بيروت قبل حصول مجزرة النبطية الفوقا بثلاثة أيام مزمعاً التوجه إلى مكة المكرمة لتأدية فريضة الحج، إلا أنه تأخر عن السفر إلى اليوم الذي حصلت فيه.
قبل ذلك كانت عائلة العابد قد عاشت أيام الأسبوع الأول من حرب <عناقيد الغضب> الاسرائيلية بلياليها لحظة بلحظة مع الرصاص والقذائف وهدير الطائرات الحربية، وبينما كانت العائلة تستعد لاستقبال يوم جديد من أيام الحقد الاسرائيلي، والطفلة الرضيع نور ابنة الأربعة أيام تتهيأ لليوم الخامس من عمرها، إذ بطائرات الغدر الصهيونية تشن غارة مفاجئة على المنزل الذي اختبأت فيه العائلة وتمزقه بصواريخها، وتجعل أجساد ثمانية من أفراد العائلة وصهرها أشلاء تناثرت بين ركام المنزل، لتؤلف رواية المجزرة التي سيقرأها كل طفل وامرأة عن معنى السلام الاسرائيلي الذي سيشاد على جثث الأبرياء من المواطنين الآمنين، ولا سيما الأطفال والنساء منهم.
لم ينج من أفراد عائلة العابد سوى ابراهيم (18 سنة) وشقيقته نجود العابد (19 سنة) في ذلك الوقت، وقد حشرهما ركام المنزل بين كتل الإسمنت، حيث راحا يصرخان طلباً للنجدة والرحمة إلى أن أغمي عليهما من شدة الخوف والإرهاق، واستمرا على هذه الحال إلى أن تم سحبهما من بين الأنقاض بعد مرور فترة من الوقت، ولم يستفيقا إلا في مستشفى النبطية الحكومي، وقد أصيبا بجروح ورضوض مختلفة.
والذين استشهدوا من أفراد العائلة هم الأم فوزية خواجة (43 سنة) والأبناء علي (10 سنة) ومحمد (12 سنة) وهدى (9 سنوات) وندى (7 سنوات) ومرتضى (4 سنوات) ولولو (16 سنة) والرضيعة نور (4 أيام). أما الشهيد التاسع فكان صهر العائلة أحمد خليل بصل (23 سنة) وخطيب الناجية نجود.
الوالد حسن العابد كان يستعد لركوب الطائرة في مطار بيروت متوجهاً إلى السعودية لأداء فريضة الحج. سمع بنبأ الغارة الإسرائيلية على النبطية الفوقا من خلال الراديو فلم يصدق ما سمعت أذناه. سارع إلى العودة وهو يهيم على وجهه. وصل إلى البرادات في صيدا وكشف عن بقايا الوجوه والأجساد والأشلاء. عفر وجهه بدماء الشهداء من أبنائه. سأل عنهم فرداً فرداً قائلاً: يا رب كنت متوجهاً إليك، فإذا بزوجتي وأولادي يسبقونني إليك.
اليوم، وفي مناسبة الذكرى العاشرة لحصول مجزرة آل العابد في النبطية الفوقا، يؤثر رب العائلة حسن العابد عدم الخوض في تفاصيل المجزرة التي حلت بزوجته وأبنائه، لما تثيره في نفسه من جروح وآلام وأحزان لا يقوى على استعادتها وتكرارها لا سيما وأنه ونجله يعيشان ذكرى المجزرة كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة، ولن تندمل آثارها في نفسيهما ما داما على قيد الحياة.
والذي يحز في نفس العابد ويفاقم من حزنه وآلامه اعتقاده بذهاب أرواح أبنائه وزوجته سدى وأن تضحياتهم لم تأتِ على مستوى النتائج التي تحققت على الصعيد الوطني منذ حصول المجزرة وحتى الآن، بعدما كان يتمنى أن تكون دماؤهم سفحت فداءً لقيامة لبنان الموحد بجميع طوائفه ومذاهبه ومختلف أطيافه السياسية، غير أن ما حدث منذ استشهادهم وحتى الآن جاء منافياً لكل ما له علاقة باللحمة والوحدة والانصهار الوطني بحسب العابد، ليحل محل ذلك الإمعان في تكريس الطائفية والمذهبية والمزيد من التفرقة والشرذمة والانقسام، ما خلا أمراً مضيئاً واحداً تمثل بدحر الاحتلال الاسرائيلي من الجنوب والبقاع الغربي، جراء مقاومة وصمود وتضحيات أبناء الجنوب.
لا يخفي، هو الأب لثمانية شهداء ووالدتهم، مرارته وعتبه الشديد على من يفترض به أن يعنيه امره، لأنه حتى الآن لا يملك أي ضمان صحي أو اجتماعي أو أي بطاقة صحية تخوله العلاج مع ولديه الناجيين على حساب الدولة بكرامة، لافتاً إلى أنه أحجم عن المطالبة بهذا الأمر الحيوي منذ زمن بعيد، ليقينه وعدم ثقته بوجود دولة أو حكومة أو مسؤولين حقيقيين يهتمون لأمره مع أقرانه، وذلك على الرغم من التضحيات التي دفعوها غالياً من أبنائهم فداء للوطن.
ولم ينس العابد أن يتوجه بالشكر للنائب بهية الحريري التي ما تزال حتى الآن تتفقد أحوال ولديه ابراهيم ونجود وتعرض عليهما كل مساعدة، لا سيما وأنها وفت بالوعد الذي قطعته على نفسها، والذي تمثل بتسليم كل منهما مبلغ 25 ألف دولار أميركي بعدما بلغا سن الواحدة والعشرين.
ويشير إلى أنه يعمل حالياً بصعوبة في حراثة الأرض وزراعة الحبوب والتبغ ليعيل عائلته الجديدة المؤلفة من زوجته وطفليهما محمد (8 سنوات) الذي يحمل إسم شقيقه الشهيد محمد، ونور (3 سنوات) التي تحمل أيضاً إسم شقيقتها الشهيدة نور.
وفي محاولة منه لإراحة جسده المريض من عناء العمل المضني في الحراثة والزراعة، فقد افتتح العابد مؤخراً دكاناً للمواد الاستهلاكية في بلدته النبطية الفوقا، آملاً أن يتخلص من الحراثة والزراعة في حال نجح عمله الجديد.
من جهته يؤكد نجل حسن العابد ابراهيم الذي نجا مع شقيقته نجود من المجزرة على رغبة والده عدم التطرق إلى تفاصيل المجزرة، مشيراً إلى أنه ما زال حتى الآن يعاني من رواسبها وآثارها السلبية، لا سيما على الصعيدين الصحي والنفسي، وهو يتلقى علاجاً دائماً لآلامه وأوجاعه، كذلك شقيقته نجود إثر محاصرتهما بين كتل الإسمنت التي انهارت عليهما في ذلك اليوم المشؤوم.
ابراهيم صار أباً منذ سنوات عديدة بعدما تزوج في الثالثة والعشرين من عمره ورزق حتى الآن بطفلتين الأولى أسماها دعاء (3 سنوات) والثانية أسماها رنين (6 أشهر).
ولدى السؤال عن عدم تسمية ابنتيه بأسماء شقيقاته اللواتي استشهدن في المجزرة اغرورقت عيناه بالدموع، مجيباً بأنه لم يفعل ذلك لأسباب تخصه وحده.

 

 

 

                                                 رجـــوع                                   Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©