حفظ ابو ميلاد تضاريس القعر البحري في هذه
المنطقة كراحة يده ، يعرف موقع كل حجر وكل
صخرة وكل مغارة وجرف بحري ، يعرف من اين تأتي
الاسماك والى اين تذهب ، يعرف مسالكها وطرقها
واماكن مبيتها واختبائها ، يعرف ابو ميلاد
مجرى التيارات المختلفة ومنابت الاعشاب
البحرية ويعرف مواقع ما تبقى من المرفأ
الجنوبي التاريخي لسيدة البحار الغارق بمجده
الغابر تحت مياه بحر الجمل .
اكسبته اشعة الشمس التي الف العيش تحتها صيفاً
وشتاءً لوناً برونزياً جذاباً وكواه ملح البحر
بلا هوادة حتى شق بين مسام جلده ممراتٍ
ومساربَ تشهد بدورها حركة مدٍ وجزرٍ بأسلوبها
الخاص .
اطلق ابو ميلاد لحيته وشعر رأسه فتميز بهما
وفي ذلك يقول ، اطلقتهما لقلة اوقات فراغي
وليس لشيئ آخر .
لابو ميلاد بدوي ، ذاك البحار الصوري الاصيل ،
طرائقه في الصيد ، هو بنظر الكثيرين ملك
"الاقفاص " وسلطان " التحويق " ولكل طريقة من
طرق الصيد هذه اصولها ومبادئها ومواقيتها .
في موسم " البلشفيك " او المواسطة يخرج ابو
ميلاد بأقفاصه ، وهذا البلشفيك نوعان الاول
ابيض موسمه بين ايار وحزيران والثاني اسود
وموسمه في التشرينين ، ولا فرق لدى ابو ميلاد
في طريقة صيدهما ، فتراه وقد انطلق بمركبه من
ناحية تيروس يسير به وفق خط منحنٍ افقياً
ميمماً وجهه صوب الجزر الصخرية في بحر الجمل
يقبض بيده اليمنى على مقود المحرك الصغير الذي
يدفع مركبه نحو وجهتها وباليد الاخرى يمسك
بسيجارته يدخنها بتلذذ وامامه متن القارب
ممتلئاً بالاقفاص الحديدية وبداخلها الاعشاب
البحرية اللزجة ذات الرائحة التي تجذب اسماك
البلشفيك من كافة انحاء المنطقة .
يصل ابو ميلاد الى منطقة صيده ، يضع منظاراً
بحرياً متهالكاً على عينيه ، يقبض بيده اليمنى
على حبلٍ متينٍ مربوط بناصية مركبه ويمسك
باليد اليسرى اول الاقفاص ويلقي بنفسه في
الماء ويغيب لدقائق حتى لتخاله قد غرق انما ما
يجعلك تطمئن الى مصيره الحبل المشدود نحو
الاعماق الذي يجذب بواسطته مركبه متنقلاً معه
باحثاً عن المكان المناسب لوضع اولى اقفاصه
معتمداً بذلك على سرعة الريح ووجهة سير
التيارات المائية في الاعماق .
وبعد فترة لا تطول كثيراً يتوصل ابو ميلاد
بفطرته البحرية الى المكان المناسب ليضع فيه
القفص الاول ثم يتابع عمله بوضع باقي الاقفاص
الواحد تلو الاخر بخط متناسق مع القفص الاول
وتكاد لا تنقضي نصف ساعة حتى يكون ابو ميلاد
قد " زرع " المنطقة كلها بعشرات الاقفاص
المتناثرة هنا وهناك فيصعد الى مركبه في
استراحة قصيرة يدخن فيها سيجارة ثانية ويجلس
يراقب البحر في مكان تواجد الاقفاص حتى اذا ما
اقترب احدهم ليسبح او يلعب قرب احدها زجره
بصوته الثاقب طالباً منه الابتعاد فوراً " يا
قرايب في اقفاص هون " .