البحار الصوري فضل بدوي ( ابو ميلاد ) : ملك الصيد بالاقفاص وسلطان التحويق وحارس البحر في المنطقة الجنوبية لسيدة البحار

 

موقع يا صور - 13/8/2007

حجز ابو ميلاد بدوي لنفسه حيزاً في المشهد البحري لمدينة صور في المنطقة الجنوبية ، اصبح مع قاربه الصغير ذا اللونين الابيض والاحمر جزءاً من معالم هذه الناحية لا ينفصل احدهما عن الآخر ، مشهده مبحراً مع شباكه واقفاصه غادياً صوب الجزر الصخرية في بحر الجمل او قافلاً منها نحو مرساه المستحدث على رمال الشاطئ قرب تيروس بات مألوفاً في مشاهد الحياة اليومية لابناء المدينة.

اقتطع ابو ميلاد هذا الجزء من البحر الصوري الممتد من جزر الجمل الصخرية غرباً وحتى مكاسر الموج في استراحة صور السياحية شرقاً واحتفظ به لنفسه ، اصبح حارسه الامين وقبطانه المتمرس ، لا ينازعه احدٌ من الصوريين على ملكيته هذه ولا يدخلها شخصٌ او يخرج منها الا ومر من تحت ناظري ابو ميلاد الذي يحرص عليها حرصه على مقتنياته الخاصة ، وكم شوهد يعاتب فلاناً او يزجر آخر لرميه النفايات في البحر او لمخالفته اصول الصيد بما يؤذي بذرة السمك .

 

البحار الصوري فضل بدوي ( ابو ميلاد ) ( الصورة : د.بسام شلهوب)

 

حفظ ابو ميلاد تضاريس القعر البحري في هذه المنطقة كراحة يده ، يعرف موقع كل حجر وكل صخرة وكل مغارة وجرف بحري ، يعرف من اين تأتي الاسماك والى اين تذهب ، يعرف مسالكها وطرقها واماكن مبيتها واختبائها ، يعرف ابو ميلاد مجرى التيارات المختلفة ومنابت الاعشاب البحرية ويعرف مواقع ما تبقى من المرفأ الجنوبي التاريخي لسيدة البحار الغارق بمجده الغابر تحت مياه بحر الجمل .

اكسبته اشعة الشمس التي الف العيش تحتها صيفاً وشتاءً لوناً برونزياً جذاباً وكواه ملح البحر بلا هوادة حتى شق بين مسام جلده ممراتٍ ومساربَ تشهد بدورها حركة مدٍ وجزرٍ بأسلوبها الخاص .

اطلق ابو ميلاد لحيته وشعر رأسه فتميز بهما وفي ذلك يقول ، اطلقتهما لقلة اوقات فراغي وليس لشيئ آخر .

لابو ميلاد بدوي ، ذاك البحار الصوري الاصيل ، طرائقه في الصيد ، هو بنظر الكثيرين ملك "الاقفاص " وسلطان " التحويق " ولكل طريقة من طرق الصيد هذه اصولها ومبادئها ومواقيتها .

في موسم " البلشفيك " او المواسطة يخرج ابو ميلاد بأقفاصه ، وهذا البلشفيك نوعان الاول ابيض موسمه بين ايار وحزيران والثاني اسود وموسمه في التشرينين ، ولا فرق لدى ابو ميلاد في طريقة صيدهما ، فتراه وقد انطلق بمركبه من ناحية تيروس يسير به وفق خط منحنٍ افقياً ميمماً وجهه صوب الجزر الصخرية في بحر الجمل يقبض بيده اليمنى على مقود المحرك الصغير الذي يدفع مركبه نحو وجهتها وباليد الاخرى يمسك بسيجارته يدخنها بتلذذ وامامه متن القارب ممتلئاً بالاقفاص الحديدية وبداخلها الاعشاب البحرية اللزجة ذات الرائحة التي تجذب اسماك البلشفيك من كافة انحاء المنطقة .

يصل ابو ميلاد الى منطقة صيده ، يضع منظاراً بحرياً متهالكاً على عينيه ، يقبض بيده اليمنى على حبلٍ متينٍ مربوط بناصية مركبه ويمسك باليد اليسرى اول الاقفاص ويلقي بنفسه في الماء ويغيب لدقائق حتى لتخاله قد غرق انما ما يجعلك تطمئن الى مصيره الحبل المشدود نحو الاعماق الذي يجذب بواسطته مركبه متنقلاً معه باحثاً عن المكان المناسب لوضع اولى اقفاصه معتمداً بذلك على سرعة الريح ووجهة سير التيارات المائية في الاعماق .

وبعد فترة لا تطول كثيراً يتوصل ابو ميلاد بفطرته البحرية الى المكان المناسب ليضع فيه القفص الاول ثم يتابع عمله بوضع باقي الاقفاص الواحد تلو الاخر بخط متناسق مع القفص الاول وتكاد لا تنقضي نصف ساعة حتى يكون ابو ميلاد قد " زرع " المنطقة كلها بعشرات الاقفاص المتناثرة هنا وهناك فيصعد الى مركبه في استراحة قصيرة يدخن فيها سيجارة ثانية ويجلس يراقب البحر في مكان تواجد الاقفاص حتى اذا ما اقترب احدهم ليسبح او يلعب قرب احدها زجره بصوته الثاقب طالباً منه الابتعاد فوراً " يا قرايب في اقفاص هون " .

 

نصف ساعة جديدة ويعود ابو ميلاد " لتحويش " الاقفاص ، لا يخطئ مكان قفص منها ابداً ، يصل بالقارب الى مكان كل منها ، يغطس في الماء لثوانٍ ثم يصعد الى السطح مجدداً ممسكاً بالقفص وفيه الخيرات ، عشرات من اسماك البلشفيك تنتفض بعنف لدى خروجها من الماء الى مصيرها المحتوم ، يفرغ ابو ميلاد محتوى القفص البحري بآخر بلاستيكي على متن القارب ويمونه بالاعشاب من جديد من شوال ممتلئ بها حمله معه من منطقة سنسول الخراب ثم يعيده الى مكانه في قعر البحر ويتجه نحو قفصٍ آخر وهكذا دواليك حتى يشارف النهار على نهايته عندها يقوم ابو ميلاد بجولته الاخيرة ليسحب كل الاقفاص من الماء ويرجع نحو مرساه محملاً بخيراتٍ وخيرات من احشاء البحر الصوري الى حيث ينتظره عدد من زبائنه المخصصين قرب مرساه ليحصلوا منه على السمك الطازج مباشرة .

 

ابو ميلاد يرسو بمركبه على الشاطئ الرملي ويخرج محملاً بالاسماك

 

 

 

 

 

 

 

 

هذا في موسم البلشفيك ، اما في موسم السرغوس والمرمور والغبص فحكاية اخرى ، يخرج ابو ميلاد بذات الطريقة ونحو ذات الوجهة ولا يختلف عن رحلته الاولى الا في وسيلة الصيد ، هذه المرة وسيلته " المبطن " ، والمبطن هذا هو اسم يطلقه الصوريون على نوع من الشباك المزدوجة المؤلفة من طبقتين الثانية اكثر اتساعاً من الاولى تصطدم بها الاسماك اثناء سباحتها وفي طريقها للعودة تعلق بخيطان الشبكة الثانية فلا تستطيع الهروب بعدها .

 

ابو ميلاد في عرض البحر " يعرب " شباكه ( د. بسام شلهوب )

في هذه المواسم يصطاد ابو ميلاد بطريقة " التحويق " ومؤدى هذه الطريقة انه يصل الى نقطة معينة بمركبه ويبدأ بإنزال شباكه المبطنة داخل المياه ويستدير حول هذه النقط بمركبه وهو مستمرٌ في انزال شباكه حتى يغلق الدائرة تماماً بالشباك ، عندها يلقي مرساة مركبه ويغطس الى القعر ويبدأ ب " كش السمك " اي بمطاردة الاسماك ودفعها دفعاً نحو الشباك حتى تصطدم بها فتعلق فيبحث عن اخرى وهو لا يوفر في ذلك الاسماك المختبئة في اوكارها او تحت الاحجار وفي المغاور الصخرية فيرغمها على ترك اماكنها لتهرب نحو مصيرها المحتوم اي نحو المبطن المتأهب لإلتقاطها ، وبعد ان ينظف الدائرة بأكملها يصعد من جديد نحو مركبه ويبدأ بسحب المبطن الى متنه لتبدأ عملية تخليص الاسماك من الشباك التي يقوم بها بسرعة ومهارة وبيدين خبيرتين ومتمرستين ثم " يعرب " الشباك من جديد اي يهيئها لطرحها مجدداً في نقطة اخرى يحاصرها ويبدأ بمطاردة اسماكها ليعود مساءً بصيد وفير نحو الشاطئ حيث ينتظره عددٌ من زبائنه الصوريين بفارغ الصبر.

ابو ميلاد بدوي ، صوري اصيل من بحارة هذه المدينة الطيبين والاقوياء ، هو ايضاً كسمكها لا يستطيع العيش الا في بحرها ، لو القيت عليه التحية او لم تلقها لبادرك من فوره " الله معك يا خيي " بلجة صورية محببة تنم عن اصالة واخلاق رفيعة وطيبة ومحبة ، ابو ميلاد بدوي ، حارس البحر الجنوبي ، تحية لك .....

 

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©