زكي الطقش ( ابو رمزي ) : صديق الامام الصدر والشهيد شمران وصاحب اول مختبر طبي في المدينة، عشق صور فترك بلدته واستقر فيها

 

موقع يا صور - 9/8/2007

دمث الأخلاق ، طيب المعشر ، نقي السمعة ، كبير القلب والأخلاق ، يسحرك بطباعه الهادئة وشخصيته المستقيمة ورصانته غير المتكلفة . محبوبٌ وموثوقٌ ومحترمٌ بشهادة الجميع ، وهو خلال سنوات عمره المليئة بالكفاح والإجتهاد إستطاع تكوين رصيد وافر من محبة الناس وتقديرهم الذين لم يروا يوماً فيه إلا شخصاً صادقاً وودوداً . حضنته صور بأرضها وأبنائها مذ وفدها في ستينات القرن الماضي ، فغدا واحداً من أبنائها ، ولم يفارقها منذ ذلك الحين ، حيث سرى عشقها في وجدانه ووجدان ذريته ، فلم يعودوا يستطيعون عنها الفراق او الإنفصال ، كحال هذه المدينة مع كل من عرفها وعاش فيها ، فأدمن عشقها وإرتبط معها برباط مقدس .

 

السيد زكي الطقش ( ابو رمزي ) في مكتبه في مختبرات لبنان

 

 

 

هذه مقدمة بسيطة للإطلالة في هذا التحقيق على تجربة ومسيرة صاحب مختبرات لبنان في صور السيد زكي الطقش ، وهو إن كان غنياً عن التعريف ، فإن الواجب يفرض ان يوفى هذا المكافح حقه وتعبه .

وفي البداية وقبل الدخول بتفاصيل قصة قدوم ابو رمزي إلى صور ، لا بد من الإشارة إلى أنه هذا المكافح بصمت هو إبن بلدة شمسطار البقاعية ، هذه البلدة التي ما إعتادت إلا أن تكون منبتاً للرجال الأفاضل والمناضلين والشرفاء ومن أبرز رجالاتها العلامة المفتي السيد حسين الحسيني ، رئيس مجلس النواب السابق حسين الحسيني ، الوزير اسعد دياب و الأستاذ طلال سلمان ناشر جريدة السفير . في ستينات القرن الماضي وبفعل الإهمال المزمن الذي كانت تعاني منه المنطقة إضطر أبو رمزي لترك بلدته البقاعية والإنتقال إلى بيروت لتحصيل العلم والسعي وراء كسب الرزق . وهناك بدأت آفاق الحياة تتفتح أمامه بفعل إحتكاكه بالعديد من الشخصيات الإجتماعية المرموقة التي أغنت تجربته الإنسانية ورفدت سلوكياته بقيم أخلاقية وإنسانية سامية سيكون لها الأثر الأبرز مستقبلاً في تبلور شخصيته الهادئة والرصينة.

أثناء وجوده في بيروت تعرف أبو رمزي على العديد من أبناء الجنوب فلمس فيهم طيبةً ولطافةً وكرماً وغنىً معرفياً وأخلاقياً ، مما ولد عنده حالةً من الحب والإعجاب بهذه المنطقة فكان ذلك دافعاً قوياً له لإتخاذ أحد أهم قرارات حياته بالإنتقال جنوباً وتحديداً إلى مدينة صور في العام 1968 قلب الجنوب النابض والتي كانت تعيش في تلك الأثناء عصراً ذهبياً مشعاً بوجود سماحة الإمام السيد موسى الصدر الذي أعطى للمدينة حضوراً ومكانةً على مستوى لبنان ككل.

وإلى جانب هذا الهوى الجنوبي الذي سكن قلب أبو رمزي ، فإن هناك دافعاً أخراً حمله على إتخاذ هذا القرار ، وهو زواجه من إحدى فتيات المنطقة السيدة الفاضلة فتحية حدرج إبنة البطل الرياضي الكبير صبحي حدرج والتي كان تعرف عليها أثناء وجوده في بيروت بعدما شاءت الصدف أن يلتقيا بحكم ممارستهما ودراستهما لذات المهنة أي المختبرات الطبية . وقد عقد قرانهما سماحة الإمام السيد موسى الصدر الذي سيكون له في وجدان أبو رمزي الأثر الأكبر والأغنى .

قدم أبو رمزي إلى صور كما أسلفنا وعمل فوراً على فتح مختبره الطبي الخاص في المدينة (( مختبرات لبنان )) عام 1969 وقد إختار مكاناً لمختبره في محلة البوابة الشريان الرئيسي والحيوي للمدينة وقلب الحركة التجارية فيها ، بعدما إستأجر عقاراً من مطرانية الروم الكاثوليك . وكان هذا المختبر من أوائل المختبرات الطبية في صور حيث شهد العام 1969 إفتتاح مختبر آخر لشخص من آل قزي بالقرب من سينما ريفولي ، وأيضاً شهد هذا العام إفتتاح مستشفى صور الحكومي ، وبذلك تكون صور قد شهدت في ذلك العام طفرة نوعية ومتميزة على الصعيد الصحي الذي كان يعاني من الضعف الشديد قبل ذلك التاريخ وكان أبناء المدينة ومنطقتها يقصدون صيدا وبيروت للعلاج وإجراء الفحوص الطبية ، التي كانت للكثيرين منهم مجهولة بإعتبارها شيئاً جديداً لم يعرفوه من قبل.

عن بداية عمله في صور يحدثنا أبو رمزي أنه لم يكن حينها يوجد في المدينة هذا العدد الضخم من الاطباء الذين يوجدون الآن . وأن عدد الأطباء في صور كان لا يزيد عن العشرة بأحسن الأحوال ومن هؤلاء يذكر الدكتور محمد جواد تقي الدين الذي كان مدير مستشفى الحكومي في صور حينذاك ، والدكتور شكرالله حداد ، والدكتور الياس حداد ، والدكتور أحمد فخر الدين طبيب العيون الوحيد في صور حينها ، والدكتور سعدالله الخليل إضافة إلى دكتور آخر ارمني ، وبالمحصلة فإن هؤلاء كانوا يشكلون الجسم الطبي في صور وقتها .

وبالإشارة إلى مستشفى صور الحكومي ، فإنه وعند إفتتاح هذا المستشفى تم الإستعانة بخدمات أبو رمزي للمساعدة في تسيير شؤون المختبر الطبي الذي كان موجوداً فيه أيامها ، وذلك بحكم كونه صاحب خبرة وتجربة واسعة في مجال التحاليل الطبية والمخبرية ، وبقي يداوم في المستشفى الحكومي طيلة ستة أشهر حتى إكتسب الطاقم العامل في مختبره الخبرة اللازمة والكافية ، ويذكر أبو رمزي أنه من بعده أصبح مختبر مستشفى الحكومي بعهدة كل من فجر عرب ومحمد حدرج .  بعد ذلك تفرغ لمختبره الخاص " مختبرات لبنان " الذي كان حينها يقصده المواطنون من مختلف منطقة صور ، هذا المختبر الذي أضاف إلى أبو رمزي رصيداً إجتماعياً غنياً بمحبة الناس وتقديرهم الذين وجدوا في صاحبه كل المعاني والصفات الإنسانية النبيلة .

يذكر أبو رمزي انه عندما جاء إلى صور في اواخر الستينات فإن حي الرمل لم يكن قد قام بعد بشكله الحالي وإنما كان الأمر يقتصر على عدد من الأبنية الصغيرة وبعض البيوت المتناثرة فوق الكثبان والتلال الرملية التي كانت تغطي مساحات شاسعة من صور . وهو قد سكن بداية في منزل بالقرب من محلة أبو ديب ، لكن واجهته مشكلة الرمال التي كانت تضطر عائلته لتنظيف المنزل يومياً بسبب تجمعها داخل المنزل كلما هب الهواء . فإنتقل للسكن في بناية أبو علي جعفر المعروفة عند مدخل صور . وبعدها نقل إقامته إلى منطقة جل البحر ، قبل أن يستقر نهائياً في منزله الحالي القائم بالقرب من تعاونية الجنوب . 

في صور تعرف زكي الطقش " أبو رمزي " إلى سماحة الإمام السيد موسى الصدر الذي كانت تربطه علاقة وطيدة بوالد زوجته المرحوم صبحي حدرج ، وفي حديثه عن سماحة الإمام الصدر تجده قد إلتمعت عيناه وإنفرجت أساريره وسرت وبدا على محياه إمارات الحماسة والنشوة لما يكن في قلبه من عشق و تقدير وإعجاب لذلك الرجل الكبير . فهو وأثناء وجود الإمام في صور كان على تواصل دوري معه وكان يلتقيه بشكل شبه أسبوعي حيث كان يتردد على مجالسه ليستزيد من معرفته وينهل من واسع حكمته ويروي ظمأ روحه من معين إيمانه وتقواه .

للإمام الصدر في قلب أبو رمزي مكانة خاصة تلامس حدود القدسية . فهو اليد الخيرة والمعطاء التي كانت تمتد بصمت لتمسح البؤس والحرمان عن كاهل المساكين والمحرومين . وهو عالم الدين الجليل صاحب العلم الغزير يقصده المؤمنين من شتى الأنحاء ليستضيئوا بنور علومه ومعارفه . وهو الإنسان المتواضع الذي لا ينظر للأخر إلا بعين الرحمة والإنسانية فلا يعير مكانته الإجتماعية إهتماماً ، سيان عنده الغني والفقير ، المرفه والمعدوم ، المتعلم والأمي. وفي تعامله مع الناس هو بحرٌ من الإنسانية يرى الاخر أخاً له في الإنسانية بغض النظر عن دينه ومذهبه ولونه وعقيدته وسياسته ، فالإمام كان شجرة من الرحمة وارفة الظلال يستظل بفيئها الناس من مختلف الأطياف والمشارب . هذه هي صفات الإمام كما رأها زكي الطقش من خلال معاشرته له ، وهذا هو الإمام الذي بنظره قد أعاد لأهله حقوقاً أمعن الاخرون في سلبها ونكرانها .

قرب أبو رمزي من الإمام الصدر ، اتاح له الفرصة للتعرف أكثر على رموز حركة المحرومين أمل آنذاك . ومن بين الأشخاص الذين تعرف عليهم القائد الشهيد مصطفى شمران الذي كان يقيم في مؤسسة جبل عامل في برج الشمالي والتي كانت تعتبر معقلاً أساسياً من معاقل حركة امل في ذلك الوقت ، تلك المؤسسة التي يرجع الفضل الكبير إليها في تخريج العديد من الطاقات والكوادر الحركية التي شكلت النواة الأساسية لقيام أفواج المقاومة اللبنانية أمل ، والتي بفضل مقاوميها ومجاهديها تم تحرير معظم أراضي الجنوب عام 1985 . وبالعودة للشهيد شمران ، فإن أبو رمزي يكن إحتراماً وتقديراً بالغاً لهذا الرجل القائد المقدام ، الذي قدم لأهالي الجنوب والبقاع الكثير الكثير أثناء مسيرة قيامتهم ونهضتهم في ظل عمامة الإمام الصدر .

إنغرس أبو رمزي في أرض صور ، وذاب في حبها وهواها حتى الثمالة ، وهو منذ قدومه إليها لم يعد يقوى على مفارقتها أو الإبتعاد عنها ، حتى أثناء أكثر الأوقات خطراً وحراجةً في تاريخ تلك المدينة ، عنينا به إجتياح العام 1982 ، حيث ظل صامداً مع عائلته في منزله رافضاً الخروج من صور أو حتى اللجوء إلى إستراحة صور التي لجأ إليها القسم الأكبر من أبناء المدينة هرباً من قصف الطائرات والمدافع الإسرائيلية ، التي ظلت تدك المدينة بلهيب حممها وقذائفها أياماً متواصلة . ويذكر ابو رمزي الحال المأساوية التي وصلت إليها صور في تلك الفترة وكيف ان الناس أخذوا يبحثون عن الغذاء والماء بعدما تقطعت أوصال المدينة مع العالم الخارجي بسبب الحصار الإسرائيلي . ولكن كل ذلك ما كان ليجبره على ترك صور فظل صامداً حتى نهاية العدوان .

في الكلام عن هذا الرجل النبيل ، فإن الحديث يطول ويطول ، حتى ليكاد القارىء يعتقد ان في الموضوع مبالغةً ، لكن من عرف هذا الإنسان عن قرب ، سيكون حكماً شفافاً وموضوعياً في تقييم ما جرى سرده . وإن كان لنا من كلمةٍ أخيرة ننهي بها موضوعنا ، فهي القول بأن هذا الرجل شجرةً طيبةً ، تكتسي أغصانها بكل المعاني والقيم الإنسانية السامية . وعندما أينعت أثمرت ذريةً صالحةً ، تليق بأن تحمل إسم هذا الإنسان الكبير بأخلاقه ومبادئه .   

 

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©