ناجيان من مجزرة بناية محي الدين يرويان تفاصيلها المرعبة

 

صحيفة السفير - 30/8/2006

نشرت صحيفة السفير المحلية اليومية في عددها الصادر أمس تحقيقاً متميزاً يتمحور حول شهادة شخصين من مدينة صور هما محمد حسن هلال وزوجته امل صايغ اللذين نجيا بأعجوبة من مجزرة بناية محي الدين التي استهدفها العدو بالقصف يوم 16/7/2006 .

ويتحدث التحقيق قد تفاصيل مروعة منها كيفية استشهاد الشابين علي ونجيب شمس الدين وغيرهما من الشهداء الذين كانوا يجلسون برفقة الناجيين ، وفيما يلي نص التحقيق كما نشرته السفير :

 

 

 

 

الجريح محمد حسن هلال وزوجته امل صايغ 

 

 

 

تحوّلت مدينة صور، وفي غفلة منها، إلى مجرد محطة كبيرة للمراسلين الصحافيين الذين توافدوا من أربع جهات الأرض لتغطية وقائع الحرب المفتوحة على لبنان. كانوا ينطلقون منها، من الفنادق غير المعدّة أصلاً لاستقبال الصحافيين، إلى ما كان يمكن لهم الوصول اليه من القرى الميدانية التي تحصل فيها التحركات المهمة لهم ولوسائل إعلامهم. ربما مرّ وتناوب على محطة صور للأنباء اكثر من ألف صحافي خلال الحرب الأخيرة. فاضوا عن الفنادق الثلاثة <الرسمية> فأستأجروا بيوت الناس التي وجد أصحابها فيهم مورداً للرزق في زمن طال فيه قطوع الحرب وتقطعت فيه سبل العيش ومسالكها. ومع كل ذلك الوجود الصحافي في المدينة، ظلمت صور إعلامياً. ففي المحطات لا ينتظر الركاب إلا القطارات التي تأخذهم إلى وجهاتهم البعيدة أو القريبة، ولا يتوقفون عند ما يحصل في المحطة ذاتها. ليست المحطة إلا.. محطة، ولو كان اسمها صور، ولو كانت تقصف للمرة الاولى. ففي عدوان العام 1996 وقعت قذيفة في الآثار الرومانية، لكنها لم تقتل أحداً. وفي العام 1993 لم تقصف المدينة. اما اليوم، فقد أصيبت صور بثلاث جراح ثخينة: قصف بناية الدفاع المدني التي أستشهد فيها واحد واربعون شخصاً: انتشل منهم 27 في اليوم الاول، ثم 10 من ملجأ البناية المقصوفة، ثم ثلاث جثث منذ أسبوع كانت لا تزال عالقة في الطابق العاشر ولم يكن بالإمكان الوصول إليهم، لأن البناية آيلة للسقوط. تحلّلت الجثث في الأعالي، في الطوابق التي لا يمكن الوصول إليها والمشرعة بنتيجة القصف على الهواء الطلق. تحللت جثث الشهداء فوق رؤوس الأحياء. حتى ان أقدام بعضها كان بادياً للعيان فوق، في الطوابق الأربعة المنهارة العليا التي قصفت و<طبقت> على الطوابق الأدنى منها. انتشرت رائحة نفاذة في المحيط، ولا تزال حتى الساعة قوية في الهواء. وكان كل ذلك لا يكفي، تقول امل صايغ، وهي ناجية من هذه المجزرة، إنه لا تزال هناك جثتان عالقتان في مصعد البناية الآيلة الى السقوط والتي علق الدفاع المدني على واجهتها يافطة تحذر من الاقتراب. اما الضربة الثانية فقد كانت لما اصطلح على تسميتها بناية <قاووق>، نسبة الى منزل المسؤول العسكري من حزب الله في منطقة الجنوب الشيخ نبيل قاووق الذي كان مستهدفاً بالقصف، وقد قتل في قصفها شخص من آل قرعوني، كان جالساً في حديقة منزله التي تطل البناية عليها، والثالثة كانت لشقة آل سلامة في بناية بنزلة بو ديب، فوق البلدية القديمة، لكن<ما راح فيها حدا>، كما تقول أمل.
وقعنا على امل صايغ (30 عاماً)، في اليوم الأول لخروجها من المنزل. السيدة التي فقدت الكثير من وزنها بسبب ما جرى لها ولعائلتها، لا تستطيع أن تغيب عن منزلها ساعة واحدة. فزوجها، الجريح الناجي محمد حسن هلال، لا يستطيع حتى ان <يمسح عرقه وحده>، كما قالت. فإصاباته <أكثرها في يديه ورجليه، وممنوع أن يحركهما، لأن فيها أسياخ حديد>.
في الطابق الثاني من بناية غير بعيدة عن بناية الدفاع المدني المنكوبة، اضطجع محمد زوج امل على ظهره على سرير كبير. لا يحرج الجريح من اضطراره لاستقبال الناس بثيابه الداخلية. تضيء ابتسامة عريضة وجهه، وهو يرحّب بنا بعد أن استأذنته زوجته. لا يخفي محمد حسن هلال سعادته بوصول <الصحافة أخيراً>. يضحك كثيراً بين جملة وأخرى. يبدو أن سعادته تفاجؤه بين فينة وأخرى عندما يتذكر انه لا زال حياً، فيضحك. لا يبتسم فقط، بل يضحك. تحس أن هناك حركة ناقصة يهم بالقيام بها، كأن يرفع سبابته ليركز نظاراته الطبية على عينيه. إلا أن ذراعه المثبته وكفه التي بتر نصفها وإصبعان تذكره بأنه لا يستطيع.
يقول محمد إن مدينة صور ظلمت <غريب. مدينة تقصف للمرة الأولى: العام 1993ما صار قصف. العام 1996 قصفت مناطق خالية ولم يستشهد احد. هذه اول مرة. حتى تشييع الشهداء: فتشت بالريموت كونترول بين كل التلفزيونات المحلية ليس هناك حتى صورة! فقط <الجزيرة> و<العربية> نقلتاه>. <عجيب>، يضيف ثم..يضحك.
في بناية الحسيني المقابلة لبناية الدفاع المدني كان محمد واقفاً في مقهاه حين <صارت الضربة>. يُخبرنا أنه، قبلها بعشر دقائق كان بعيداً عندما تلقى اتصالاً من أولاد عمته <يوم الأحد 16 الشهر، قالوا لي عجّل تعال، صرنا عندك وبدنا نشرب قهوة سوا>. ويضيف <عجّلت قدر المستطاع، (يضحك) وصلنا. كانت الساعة الخامسة عصراً، وكانوا قاعدين أمام المقهى يشربون القهوة. لم يكن هناك حركة شغل طبعاً، تفقدت الشغيل، فوجدته يؤركل مع شابين من الدفاع المدني. كان هناك جمع كبير من النازحين. اعتبروا ان صور وبالتحديد جوار الدفاع المدني منطقة آمنة. فتحوا لهم <حضانة البراعم>، ونادياً رياضياً كان لا يزال غير مجهز. قبل ربع ساعة، رحلت من هناك مجموعة من النازحين من خربة سلم. عندي حديقة مطلّة على الملعب الروماني، صرت فوت واطلع. قلت للشغيل أعطيني كاسة شاي، فقال إنه لم يركبّ الإبريق اليوم، لأنه ما من زبائن. قلت له سأعمل لنفسي قهوة.. ولا قلّك: ما إلي خلق. وقفت على الدرج وزوجتي وأولاد عمتي وحماتي وامراة أخي وأبي وأبنتي قاعدين على مدخل البناية. سمعت صوتاً خافتاً <ششت> عرفت أنه انفجار.. ليس بعيداً، في مكان ما فوقي.. أو في الحديقة أو في الشارع. فقط <ششت> ماذا أفعل؟ رميت نفسي على الأرض. ولم أعد أعلم ما الذي حصل. وجهي للأرض لكنني سمعت صوت <رشش> كان صوت الردم الصغير، الرذاذ، سقط على ظهري كأن آلاف الإبر دخلت من ظهري وخرجت من صدري. هذا هو شعوري. أحسست أن ساقاي بترتا، لكن من دون ألم. لا تحسين بشيء. يعني ضربة الإبرة أصعب، تقولين آخ. بهذه لا تقولين آخ. قلت في نفسي: طيب، هذا صاروخ. بعد أكثر من 20 ثانية يجب أن يكون انتهى. لكنه كان لا يزال مستمراً. قلت: خلص، ودعنا الدني. (يضحك) فبدأت أؤدي واجباتي الدينية ووجهي لا يزال للأرض. لكني فوجئت أن تحتي ليس الطريق بل.. ردم>!
ويتابع <لم أفهم كيف يمكن للردم ان يصل قبلي إلى الارض! واستنتجت أن الصاروخ يعمل الدمار ثم نسمع صوته. يعني عندما رميت بنفسي كنت كما يقول رواد الفضاء عن القمر، أرمي نفسي في فراغ. أي أن الردم من الطوابق العليا وصل قبلي إلى الأرض، ولم يطمرني، وهذا ما أنقذني. كل التكسير في ساقيّ ويديّ وكتفيّ وحوضي وأصابعي كان بسبب رذاذ الردم>. ثم يضيف <بتروا أصبعيّ الأخيرين في الكف الأيسر وانكشط جزء من لحم ساعدي. عملوا لي عمليات لا تعد ولا تحصى ورقعوا اللحم. منظر ساعدي بشع جداً: مثل فرخ حية الأناكوندا>، ثم يضحك ملتفتاً إلى زوجته التي جلست على السرير إلى جانبه، قائلاً <أمل ولعيلي سيكارة>، فتخفّ لتلبية طلبه.
تضع له السيكارة المشتعلة على شفتيه، فيمجّ منها، ثم تبعدها لينفث الدخان ويتابع روايته <لوقت طويل لم يكن هناك صوت. صمتت الدنيا. عتمت أيضاً. لم يعد باستطاعة أحد أن يرى شيئاً. لم يكن هناك صوت. كأن كلاً منا كان يفتش عن نفسه. لمعت أضواء: هناك من أضاء ولاعة، وغيره أضاء مصباحاً يدوياً، ثم طلع صوت يهتف: خلّصوا زوجي. كان صوت امل>.
يلتفت إليها قائلاً <أعطيني مجّة>. فتقرب السيجارة مرة أخرى من شفتيه، وهي تقول <أنا كنت قاعدة مع الشباب: علي ونجيب شمس الدين، وهما صهرا محمد وأخوين. اولاد عمة زوجي، هيثم وحسين مزّيد، وصهري أيمن طاهر كان جالساً على الحافة. كانت ابنتي مي واقفة بيني وبين نجيب، وزوجي إلى اليسار>. ثم تضيف وهي تكمل إعانة زوجها على التدخين <أنا أيضاً سمعت الصوت نفسه: شش. فقط، خافتة. سحبت أختي أبنتي فخافت وخبطت بي، فوقعت عليها وحميتها بجسمي من فوق في حين أن ساقيّ كانتا خارج المحل تتلقيان الردم والرذاذ. أحسست أن الهواء قوي جداً، وأنه يحاول سحبي عن ابنتي. لكني تشبثت بالأرض بكفي لأحميها. صرخت الله أكبر، ثم ولا أي صوت: العتمة الكاملة. قلت لنفسي نحن تحت الردم. هذه هي آخر الدنيا>.
تمجّ من السيكارة وتنفث الدخان لتتابع روايتها <بعد مضي وقت أحسسته طويلاً جداً أستطعت أن أقف. إطمأننت على مي، عمرها ست سنوات، أعطيتها لأمي وأختي ثم خرجت خارج المحل... ورأيت>. تمج مرة اخرى وهي تنفض السيجارة في المنفضة بعصبية <كانت أصعب لحظة بحياتي: أن تجدي من كنت للتوّ منذ لحظة جالسة معهم تتكلمون وتضحكون، بين الردم لا يتحركون وألوانهم.. كيف بدي قول؟ كلهم لون واحد، لون الباطون والغبار. لم أستطع أن أتعرّف للوهلة الأولى على زوجي بينهم. لم أستطع تمييزهم عن بعضهم. تذكرت لون قميصه، كانت بيضاء، عرفته منها.. أخذت أزيل عنه الباطون والحديد، لا أعرف من أين واتتنا تلك القوة أنا وأمي. رأيت أن يده مبتورة جزئياً، كان يتوجّع ويتشهّد على روحه (تغرورق عيناها) أحسست أنني سأفقده. استنجدت بأحد الشابين الباقيين من الدفاع المدني اللذين كانا يلعبان الورق. أحدهما كان الانفجار قد طيّره عبر المحل الى الحديقة الخلفية فقام يركض هارباً، أما الثاني فقد عاد ليساعد بالإنقاذ مع أنه كان قد نجا للمرة الثالثة في ذلك النهار من انفجار: جلب درفة خزانة كانت بين الردم ووضع زوجي عليها وحملها مع شخص آخر وركض فيه إلى المستشفى. أنا عدت لأتفقد الباقين، فوجدت أن رأس صهري أيمن مختف تحت الردم، لكن جسمه خارجه، عرفته من ثيابه. إما إبن عمة زوجي، نجيب، فقد كانت عيونه مفتوحة على آخرهما ولا يتحرك بتاتاً. كان قد توفي. اما علي، أخوه، فقد كانت فيه بقية حياة: رفع الجزء الأعلى من جسمه بالاتكاء على ساعديه ليقوم، اقتربت منه وأمي ورفعناه. لكن رجله كانت مقطوعة، وشظية في رأسه، كان ينظر إلينا نظرة ..كيف أصفها؟ تؤرجح رأسها وتزوغ نظراتها غير واعية. سحبناه من تحت الردم، وأخذت أكلمه: قوّي حالك. لكني أحسست أنه لم يكن يسمعني، كانت نظرة عينيه غريبة وضائعة. عرفت أنه لن يبقى معنا. تركته لأمي وعدوت الى الخارج مرة أخرى لأسأل أين أخذوا زوجي، وإذ بي أتنبّه للمرة الأولى، أنني مصابة: كانت رجلي مكسورة، وكنت أركض عليها من دون أي أحساس>.
ثم تخبرنا أمل كيف أنها علمت أنهم نقلوا زوجها محمد إلى مستشفى نجم في صور، وأنهم أخذوها إليه، لكنها رفضت الدخول الى غرفة العمليات قبل أن يخرج هو لتطمأن عليه إلى أن فقدت وعيها من الوجع، وصحيت بعد أن أخرجوها من غرفة العمليات وقد عملوا لها الإسعافات اللازمة. ثم قامت بنقل جريحها الى مستشفى حمود في صيدا حسب نصيحة أطباء مستشفى نجم، وهناك، أخبروها أنه كان ليموت لو تأخروا ربع ساعة، لأنه كان قد نزف كل دمه. ثم تردف <وضعوا له ثماني وحدات دم. أنا اعتبرها ولادة ثانية له. اليوم عمر محمد اربعون يوماً بالتمام>.
حصة العائلة من المصيبة كانت ثلاثة شهداء: صهرا محمد، الأخوان علي ونجيب شمس الدين، وصهرها هي أيمن طاهر، الشاب الذي يتكلم العربية بثقل كونه يعيش منذ كان في الخامسة من عمره، أي منذ ثلاثين سنة، في البرازيل. جاء الشاب ليجدّد جواز سفره هنا <لأن المعاملة تأخذ من البرازيل ثلاثة شهور بينما تستغرق من هنا ثلاثة أيام فقط>. تقول أمل <أختي، زوجته في البرازيل، لم تصدّق بعد. منذ وفاته، وهي تدخل وتخرج الى العناية الفائقة. ما حدا مصدّق>. أما ابنتها مي، التي كانت جالسة على الشرفة وقد شحب وجهها، فقد بدت كالناجية من شيء لا تدرك بعد ما هو. تخبرنا أمل أنها تستيقظ في الليل فجأة، وهي تصرخ صراخاً يصمّ الآذان. وأنها بدأت تأخذها إلى طبيب نفسي. أما هي فلا تستطيع أن تبقى لوحدها أو من دون ضجة لبرهة. يغدرها المشهد المريع للمجزرة، فلا تستطيع النوم من دون بكاء أو منوّمات.
تصمت أمل للحظة، ونصمت نحن لهول ما قالته. يلتفت محمد إليها فجأة ويسألها بشيء من المزاح <أمل؟ وين السيكارة؟>. تحدّق به الزوجة النحيلة كالعائدة من مكان بعيد. ثم تتلفت حولها، فيلتفت إلينا ليقول لنا بمرح زائد <شربتها>، ثم يضحك، ويقوم بتلك الحركة بكتفيه التي توحي بأنه كان يريد أن يرفع سبابته ليركز نظارته الطبية على عينيه، فلا يستطيع.

 

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©