النقابي الصوري قاسم غبريس يفتح صفحات صورية دافئة من ذاكرته : عن الحارة والثورة والتضامن والقوميين العرب ويتحدث عن الحركة النقابية

 

موقع يا صور - 16/12/2007 

اعداد : هيئة التحرير

عمل ميداني : ذو الفقار شمعوني

النقابي الصوري والمناضل البارز السيد قاسم غبريس ( ابو نهيد ) يقود احدى التظاهرات المطلبية

عن صور يحلو معه الكلام ، ويصبح للمعاني بعداً آخر ورونقاً آخر ولوناً آخر . في حديثه ترى صور وقد إكتست ثوباً جمالياً فاتناً ، تزينه عباراته الرقيقة والدافئة النابعة من عميق وجدانه ، فلا ترى في ألفاظه وصفاً لمدينة ، وإنما عاشق سكر بحب معشوقته ، فإنطلق لسانه طلقاً صادحاً بأحلى عبارات الحب والغزل الصادق . هذه الأميرة الساحرة هي أجمل ذكرياته ، وفي ذاكرته يختزن قصص و تجارب جيل كامل من أبناء صور . سيرته الغنية المليئة بالكفاح والنضال ، جعلته شاهداً حياً وناطقاً على عقود ملتهبة شهدت فيها صور أحداث وتطورات كثيرة . وقد كان لشجاعته وإندفاعه أثراً كبيراً في بلورة حضوره الفاعل والمؤثر في أكثر من مكان ، وعلى اكثر من صعيد .

إنه قاسم سلمان غبريس ، ومن منا في صور لايعرفه أو لم يسمع عنه ، فأبو نهيد له مكانة خاصة ومحبة كبيرة في قلب كل صوري أصيل . إنه قاسم غبريس النقابي المناضل والمكافح إلى جانب الفئات الكادحة والمحرومة ، والتي أولاها إهتماماً خاصاً وجهداً كبيراً ووقتاً وافراً لا لشيء إلا لكونه آمن بحقوق هؤلاء وبحقهم في حياة أفضل . إنه قاسم غبريس صاحب الموقف السياسي الوطني والجريء منذ أن بدأ حياته مناضلاً يافعاً في حركة القوميين العرب رمز النضال الصوري الأصيل المؤمن بالخط الوطني والقومي . إنه قاسم غبريس إبن المدينة البار الذي تفخر به صور ، كما نفخر نحن به ، كونه ظل أبداً ثابتاً على عهود الحب والوفاء مع سيدة البحار التي تتجدد شباباً جيلاً بعد جيل بهمة أبي نهيد وأمثاله من أبنائها ، الذين يغذونها بدمائهم وعنفوانهم وصدق عملهم وصلابة إرادتهم . 

موقع يا صور المتابع الدائم لكل أبناء المدينة والمنبر الحقيقي والأول في إيصال صوت صور الحي والنابض بدقات قلوب أبنائها ، قصد السيد قاسم غبريس في مكتبه وأجرى معه هذا اللقاء الممتع والشيق الذي إسترجعنا فيه مع أبي نهيد لحظات حلوة ومضيئة من حياة المدينة وحياته الخاصة .

وُلِد قاسم غبريس في صور في 15/آب/1948 وهو ينتمي للطبقة العاملة والكادحة التي كانت تمثل السواد الأعظم من أهالي المدينة التي كانت تعاني ما تعانيه خلال ذلك الوقت من حرمان وإهمال . والده سلمان غبريس والذي كان يعمل في السوق القديم كلحام ، هذه المهنة التي توارثها عدد من أبنائه فيما بعد ، اما والدته فهي السيدة فاطمة نجم من بلدة معركة . وإضافة إلى قاسم فإن تلك العائلة كانت تشمل كل من إسماعيل الشقيق الأكبر ومحمد وسعيد الصحافي اللامع في عالم الرياضة ومدير تحرير الجريدة الرياضية الأشهر في العالم العربي " الحدث الرياضي " .

تفتحت عينا قاسم غبريس على هذه الحياة داخل الحارة الصورية القديمة ، فقامت بينهما منذ تلك اللحظة قصة حب لا تنتهي ، إذ دخل الوله الصوري إلى أعماقه وسرى الدم الصوري الأصيل في شريانه وأوردته ، فأدمن هوى تلك المدينة ولم يعد يستطع الإنفصال عنها أو الفراق ، وبقي طوال حياته مرابطاً داخلها لم يغادرها إلا قسراً ، وكلما زالت أسباب فراقه عاد إليها مشتاقاً من جديد .

 

في احدى مؤتمراته الصحفية

 

 

 

 

 

يذكر قاسم غبريس فترة طفولته جيداً ويذكر رفاقه وأترابه الصوريين الذين معهم له أجمل ذكريات الطفولة والصبا ومن هؤلاء يذكر محمود قرعوني ، حيدر قرعوني ، سهيل شعبان ، يوسف شاهين ، مصطفى أمين ، هاني حاجو ، زهير شعبان ، مصطفى دلباني ، مصطفى وعلي حمتو وغيرهم الكثيرين من أبناء جيله .

الحارة الصورية تعني لقاسم غبريس الكثير فهي تمثل له المحبة والالفة والطيبة التي كانت تسود خلال تلك الفترة بين أبناء صور . ويذكر الكثير من التقاليد الجميلة التي تنم عن الطبع الصوري الأصيل ، ويحدثك بسرور كيف كان أبناء المدينة يتبادلون الطعام فيقدم كل واحد منهم لجيرانه جزء من طعام منزله كعربون محبة وإخلاص . ويحدثنا أيضاً عن الظروف المعيشية الصعبة التي كانت تواجه أهل المدينة في ذلك الحين وعن بيوتهم المتواضعة وكيف أن أكثر من عائلة كانت تتقاسم منزلاً مشتركاً إذ يخصص غرفة لكل واحدة منها . وهذا برأيه كان يزيد من أواصر الترابط بين أبناء المدينة ويقويها .

كواحد من أبناء الطبقة الفقيرة في صور تلقى قاسم غبريس دروسه الإبتدائية في مدرسة التكميلية ، والتي كانت حينها موجودة في حي المنارة وكانت تسمى ( مدرسة الأخرس ) ، وقد إستمر في تلك المدرسة بعدما إنتقلت إلى حي الرمل بجانب فرن البحر حالياً .

في عقل قاسم غبريس تدور الكثير والكثير من الذكريات المتعلقة بواقع العديد من الأحداث التي شهدتها المدينة خلال فترة طفولته وشبابه . ولكن الاهم بين هذه الذكريات تبقى ثورة العام 1958 والتي تشكل حدثاً هاماً ومفصلياً في تاريخ المدينة ويتذكر دوره في تلك الثورة بكثير من العز والإفتخار على الرغم من أنه لم يكن قد تعدى حينها العاشرة من عمره . يروي أبو نهيد بأنه كان يقوم بتوزيع الطعام على الثوار المرابطين خلف المتاريس الكثيرة التي ضاقت بها أزقة المدينة وحواريها خلال أشهر الثورة الخمسة ، وفي بعض الأحيان كان يكلف من قبل الثوار ببعض المهام الإستطلاعية ، فكان يخرج من الحارة ويقصد حي الرمل ويقوم بجمع الأخبار حول واقع الحال هناك ثم يعود ليزود الثوار بمشاهداته ، واكن يقوم بتلك المهمة على اكمل وجه ولم يكن يلفت الأنظار إليه نظراً لصغر سنه .

وعلى الرغم من مرور خمسين سنة على تلك الثورة إلا أن وجوه الثوار وأسماءهم وذكرياتهم لاتزال راسخة في مخيلته ويستذكرها من حين إلى آخر كلما إشتاق إلى ذلك الزمن الجميل . ومن الثوار الذين يذكرهم أبو نهيد هناك ياسر نعمة ، محمد علي طفلا ، خليل النيني ، حاتم حلاوي ، كامل بيطار ، مختار صور المرحوم راشد سحمراني وشقيقه رائف سحمراني ، حسين حمتو ، علي بدوي ومحمد الترجمان .

أثرت الثورة في ضمير ووجدان قاسم غبريس ، وشكلت عنده إلتزاماً سياسياً عميقاً بالخط الوطني والقومي . فتابع مسيرة نضاله السياسي في حركة القوميين العرب التي كانت تضم السواد الأكبر من أبناء جيله في تلك الفترة . وكانت صور إبان تلك الأوقات تعتبر العرين الأول والأساسي لتلك الحركة القومية التي كانت تتخذ من الرئيس جمال عبد الناصر قائداً وملهماً . وكان قاسم غبريس الشاب الذي يفيض حيويةً ونشاطاً أحد أبرز نشطاء تلك الحركة وعلى عاتقه كانت تلقى العديد من المهام الميدانية التي تتطلب القوة والشباب . كما كان في الوقت ذاته يقوم بتوزيع المناشير ، هذا الفعل الذي كان يشكل جريمة لا تغتفر في حينها وتعرض فاعلها لأشد العقوبات وأوخمها ، لكن كل ذلك ما كان ليردعه عن أداء دوره . وكان يقوم بهذه المهمة مع عدد آخر من رفاقه القوميين العروبيين مثل سهيل شعبان وعلي فران  .

وإلى ذلك شارك قاسم غبريس في كافة التظاهرات التي كانت تنظمها حركة القوميين العرب ، ويذكر أنه شارك في التظاهرة التي إستشهد فيها الشهيد غدوار غنيمة . هذا الإندفاع السياسي سبب له الإعتقال في مرات عديدة ، ولكنه غير نادم أبداً على نضاله السياسي هذا ويعتبره حقبة مضيئة في مجرى حياته .

نادي التضامن ، إنه الإسم المرادف لحركة القوميين العرب في صور . فهذا النادي كان موئل العروبيين وعرين القوميين في المدينة ، ولهذا إرتبط إسمه بشكل وطيد بها . وكان قاسم غبريس كحال بقية القوميين العروبيين عضواً في نادي التضامن . وله في النادي العديد من الذكريات الجميلة والمواقف الجريئة التي تشهد على عمق محبته وولائه له ، ففي فترة من الفترات وقف حارساً ومدافعاً عن النادي ، وذلك في الأوقات التي شهدت محاولة البعض للنيل من هذا الصرح العروبي الكبير . وكان يسهر الليل مع علي فران وسهيل شعبان وإبراهيم شموط ممتشقين السلاح في أصعب الظروف ومعرضين أنفسهم للملاحقة والعقاب لحراسة النادي .

ويقود اعتصاماً مطلبياً

 

 

 

 

 

 

شارك أبو نهيد في كافة المهرجانات واللقاءات والندوات التي كانت تنظمها حركة القوميين العرب في نادي التضامن ، ومازالت صورة المناضل والقائد الكبير وديع حداد راسخة في ذهنه وهو يحاضر في قاعة نادي التضامن ، وأيضاً جورج حبش أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، هذان القائدان كانا يمثلان حينها قمة النضال الثوري الملتزم والمتمسك بصدق وإخلاص بالقضايا القومية المحقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية .

إلى جانب نشاطه السياسي في النادي كان له أيضاً دور رياضي بحكم الطابع الرياضي أيضاً للنادي ، وهو كان من أبطال لعبة كمال الأجسام في النادي وقد بدأ بممارسة تلك اللعبة في العام 1965 .

كونه واحداً من الوطنيين الشرفاء الذين تمسكوا بقضايا أمتهم ووطنهم ودافعوا عنها ، فقد تعرض أبو نهيد للإعتقال على أيدي العدو الإسرائيلي عند دخول الصهاينة إلى لبنان عام 1982 . حيث كان معروفاً بنشاطه السياسي الملتزم بالخط الوطني والقومي ، مما دفع بالإسرائيليين إلى ملاحقته وإعتقاله فدخل السجن عام 1982 وأقتيد إلى معتقل مجدو في العفولة حيث قضى هناك أشهر طويلة قبل أن ينقل بعدها إلى سجن أنصار ولم يفرج عنه إلا خلال التبادل الشهير الذي جرى عام 1984 بين العدو الإسرائيلي والجبهة الشعبية القيادة العامة.

هذا التاريخ السياسي الحافل لقاسم غبريس ، مهد له الطريق واسعاً أمام دخول معترك الحياة من بابٍ لايقل أهمية ألا وهو باب العمل النقابي ، حيث كان ولازال له بصمات واضحة ومضيئة على صعيد العمل النقابي ليس في صور فحسب وإنما على مستوى الجنوب ولبنان بشكل عام . وأبو نهيد بحق يكاد يكون أحد اهم النقابيين الذين عرفتهم صور في تاريخها الحديث ومسيرته المضيئة تشهد له .

بدأ أبو نهيد العمل في مصلحة مياه صور في العام 1969 ، ولم يمضِ وقت طويل حتى كانت بوادر العمل النقابي قد بدأت بالتبلور عنده والنضوج . ففي العام 1977 أسس قاسم غبريس مع رفاقهنقابة عمال ومستخدمي المياه في لبنان الجنوبي مع كل من السادة يوسف عوض ، محمد معنى ، سامي مغنية ، حسين فقيه وأسعد قهوجي . ومذذاك وهو لا يهدأ ولا يكل ولايمل في العمل ليلاً نهاراً مدافعاً عن حقوق العمال ومصالحهم ومتصدياً في أكثر من مناسبة للدفاع عن هذه الفئة المكافحة والمناضلة في سبيل لقمة عيشها .

من صور إنطلق قاسم غبريس في مسيرته النقابية الزاخرة بكل أطياف الكد والجهد والنضال ، وقدم لها زهرة أيام شبابه وأقصى طاقاته وإمكانياته ، لا لشيء إلا لكونه آمن بالقضايا الإنسانية المحقة للطبقات العاملة والكادحة ، ونذر نفسه خادماً أميناً لها . وسجله الشخصي يشهد له بالمكانة المرموقة والموقع الريادي الذي بات يشغله على مستوى العمل النقابي في لبنان فهو حالياً رئيس نقابة مستخدمي وعمال مؤسسة مياه لبنان الجنوبي ، ونائب رئيس الغتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في الجنوب ، ووعضو المجلس التنفيذي للإتحاد العمالي العام في لبنان ، وعضو الإتحاد الدولي لنقابات الخدمات العامة ، وعضو الإتحاد العمالي للمؤسسات والمصالح المستقلة العامة والخاصة في لبنان . هذه المراكز المرموقة والمناصب القيادية على صعيد العمل النقابي في لبنان أهلت أبا نهيد للمشاركة في العديد من المؤتمرات النقابية التي عقدت في العديد من الدول العربية ( مصر ، الأردن والسودان ).

يرفع ابو نهيد الصوت عالياً مطالباً بإنصاف العمال عبر العمل على تصحيح الحد الأدنى للأجور المتوقف منذ العام 1996 ، لاسيما وان الوضع المعيشي أخذ في التدهور يوماً بعد يوم ، وهناك تضخم في الأسعار الأخذة في الإرتفاع بينما الأجور ثابتة وبالتالي لم تعد تتناسب مطلقاً القوة الشرائية لها مع قيمة الأسعار ، مما سيتسبب في كارثة إجتماعية إذا لم يتم تدارك الوضع .

أيضاً يطالب أبو نهيد برفع اليد عن الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي ، وبضرورة دفع الدولة لكامل المبالغ المترتبة عليها للصندوق وكذلك مؤسسات الدولة العامة والخاصة ، مع تأكيده رفض المس بتعويضات نهاية الخدمة فهذه الأموال اموال العمال ولن يسمح لأحد بالتمادي في المس بهذه الحقوق .

ويمكن القول ان بعض الاحلام النقابية لقاسم غبريس قد تحققت عندما تم تثبيت العاملين عام 2006 بعدما تم دمج المصالح ، هذا الإنجاز كلل جهود 9 سنوات من العمل الشاق والمضني في سبيل هذه القضية . أما الجزء المتبقي من الحلم فهو العهد الذي قطعه على نفسه لإدخال العمال الجدد في الملاك ، ولن يهدأ لأبي نهيد بال إلا عبر الإيفاء بهذا العهد .

وعن الوضع السياسي الحالي فهو يؤكد بأن لبنان لايبنى إلا بالشراكة الوطنية الحقة ، وإن الإستئثار ورفض الآخر لايعود على لبنان إلا بالوبال والخراب وهذا ماعلمتنا إياه التجربة الأليمة التي مر بها لبنان سابقاً .

بالرغم من سنوات عمره الستين ، فإن في داخل أبي نهيد تسكن روح شاب لم يتجاوز العشرين ، فأحلامه وأمانيه وطموحاته كثيرة على مستوى العمل العام ، ولعل حماسته وإندفاعه شهادةٌ دامغةٌ على صدق التعبير .

يطول الكلام عن أبي نهيد قاسم غبريس إبن صور الآبية ، هذا المناضل والمكافح حامل الرسالة النقية في الدفاع عمن هم بحاجة حقاً إلى من يقف معهم ويناصر قضاياهم . لكن وبما أن الكلام لابد له من نهاية ، فإن النهاية ستكون بتوجيه رسالة محبة وتقدير وإحترام من موقع ياصور لهذا الرجل المعطاء الذي ستدون سيرته وتجربته بأحرف من ذهب فوق صفحات تاريخ صور الإجتماعي .          

البوم صور لابو نهيد ....

 

في قلعة صور وعرينها نادي التضامن مع المناضل الكبير الراحل مصطفى سعد والوزير فنيش والقائمقام قبلان

 

كالعادة على رأس كل التظاهرات المطلبية والعمالية

 

يعقد مؤتمراً صحفياً في مقر النقابة

 

مشاركاً في مؤتمر نقابي في الاردن

 

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©