المعلم الصوري عادل سكماني : في ملامحه حزنٌ دفين ، يعالج الحديد بيديه كما العجينة ، ويحكي قصة طائرة الكاز والبندقية الصورية !

 

موقع يا صور - 3/12/2007 

تحقيق : المحرر

تصوير : حسين درويش

المعلم الصوري الاصيل عادل سكماني

 

في تجاعيد وجهه حكاياتٍ لسنوات وسنوات مرت بكدها وتعبها ومرها تاركةً اثارها فوق محياه تقاسيم حزن وبؤس وشقاء فاستحال لناظره كبقايا زمنٍ قديمٍ كئيبٍ ينتظر المصير المحتوم ولكنه رغم هذا يأبى التسليم بقدره  ....

في عينيه الغارقيتن بين نار " البابور " وقطعة المعدن التي يعالجها يمنةً ويسرةً ببطئ وملل نظرات لا تحدق سوى في الفراغ المجهول ،نظراتٍ تمتد بعيداً في افق غامضٍ فلا تفصح عن شيئ سوى عن حزنٍ دفينٍ يمتد من سنوات عمره الاولى التي قلما شهدت على افراحه وكثيراً ما وقفت على رأس احزانه ، الى ايامه الحالية التي مازالت تمعن فيه قتلاً وفي اوصاله تقطيعاً حتى غدا جسداً متهالكاً فوق كرسيٍ التصق بجسده كقطعة من ثيابه ليصبح هو الآخر جزءاً من اشياء المكان العتيق الذي لا يبرحه الا قليلاً ولا يغادره الا للنوم والعودة مجدداً عند اول شعاع نور يلقيه الفجر على ارجاء صور .....

في جلسته المعهودة في دكانه القديم الذي يقع في منتصف زقاق سوق المعصرة في حارة صور القديمة  تحول عادل سكماني الى مَعْلمٍ من معالم هذا المكان ، فمشهده اليومي وقد اوقد " بابوره " واخذ يعالج قطع المعدن المختلفة بمقصه ليعود ويصهرها فوق النار الممتوهجة المنبعثة من امامه فيحيلها اشكالاً بسيطة لحاجيات يكثر استعمالها ، هذا المشهد بات مألوفاً في وعي الصوريين وذاكرتهم ليصير كجغرافية المكان الثابتة على حالها منذ مئات السنين .

 

يشعل " بابوره "

 

 

كبير هو عادل سكماني بصموده وصلابته وطيبته واصالته الصورية ، هو واحد من فقراء هذه الحارة العظيمة التي تكبر بعادل وامثاله ويكبرون هم بها وفيها لتكون وبحق قلباً نابضاً لصور وضابطاً صادقاً واميناً لايقاعها الوطني والقومي عبر التاريخ .

عادل سكماني يمتهن اعادة تصنيع التنك والقصدير وربما كان هو الوحيد المتبقي في صور في هذه المهنة التي باتت على شفير الانقراض والتلاشي .

من تنك النيدو وعلب الحليب المختلفة وباقي العلب المعدنية سواء الكبيرة منها ام الصغيرة التي يقصها ثم يصهرها ، يعيد عادل سكماني تصنيع ادوات متعددة ومختلفة يبيعها بثمن بخس في مصلحة باتت لا تغني من جوع كما اكد لنا .

عادل سكماني يصنع من المعدن البسيط مناقل الفحم والمشاعل والشواريق ويصنع ملاعق البوظة وابواق الصبير والقجج ويصلح البوابير وكل ما يخطر ببال كما يؤكد مراراً ، وهو يقول عن نفسه بتواضع الواثق بتمكنه من مهنته انه يصنع الاعاجيب من التنك المتهالك بين يديه.

قطع المعدن بين يدي عادل سكماني كالعجين يطوعه كيفما شاء بسرعة ومهارة ودراية وعناية فإذ بعلبة حليب فارغة وقد حولها في ثوانٍ الى مشعلٍ للفحم وإذ ببرميل دهان فارغ وقد حوله الى منقل وعلبة صغيرة الى قجة للاطفال ، وبالرغم من قلة الزبائن لا بل وندرتهم في هذه الايام الا ان عادل ما زال يعمل بذات الوتيرة فينجز ما يعتبره واجباً يومياً ثم يستريح في كرسيه يراقب العابرين في الزاروب من امامه بعينين هادئتين تستكينان خلف حاجبين كثيّن .

عادل سكماني يعمل في هذه المصلحة منذ ما يزيد عن الثلاثين عاماً ، فيما مضى كان عامل فرن ، لم يستمر طويلاً في هذه المصلحة كما يقول فقد اخذه والده ولقنه اصول مصلحته الحالية الى ان اصبح متمرساً فيها ثم ورثها عن المرحوم والده بشكل كامل بعد وفاته .

يستذكر عادل بداياته في هذه المصلحة ايام شبابه بكثير من الحنين ويقول : كانت ايام خير وكان للمصلحة قيمتها ، كان مردودها جيداً ومدخولها يكفي لاعالة اسرة بشكل حسن .

ويتابع عادل : والدي كان ماهراً للغاية في هذه المصلحة ولا اعتقد ان احداً بمهارته قد مر بتاريخ هذه الصنعة في صور ، كان خلاقاً ومبدعاً ويذكر جميع اهالي الحارة كيف صنع والدي ذات مرة طائرة معدنية تطير بواسطة الكاز ، ومرة ثانية صنع بندقية تطلق النار وتصيب اهدافها بدقة وقد اوقفه الدرك اثر ذلك وسجن لفترة قصيرة ثم خرج .

ويختم عادل حديثه لموقع يا صور : اليوم باتت هذه الحرفة في حالة يرثى لها ، لم تعد تعطي مردوداً كافياً لاعالتي واسرتي فبتنا على حافة الفقر والعوز ولكن ما العمل فأنا نشِأت في هذه الصنعة ولا اجيد عمل اي شيئ آخر سواها ...

يشكر عادل شخصاً من اهل الخير يرفض ان يسميه ويقول انه يعينه من حين لآخر على مواجهة اعباء الحياة وقد خصص له مبلغاً ثابتاً يقبضه في بداية كل شهر والا لكانت اموره قد ساءت وتدهورت الى الحد الاقصى ..

عادل سكماني ... حرفي صوري اصيل يواجه اليوم متطلبات الحياة واعبائها المستجدة فيما كاهله بات ينوء تحت وطأة ما عليه من اثقال وفي المقلب الآخر تبدو حرفته وقد اضحت على شفير الانقراض دون ان يظهر ان هناك من يهتم فعلاً به وبأمثاله ...

 

يهم بإشعال بابوره

 

يعالج المعدن بحرفنة وخبرة

 

يراقب الزقاق المقابل بعينين حزينتين

 

... ثم يتابع عمله

 

المعدن في يديه كالعجين

 

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©