مراجيح العيد في صور : ملاهي الفقراء القادمة من الزمن الجميل

 

تحقيق نشر سابقاً ويعاد نشره بمناسبة العيد

موقع يا صور - 7/2/2007

لذاك الحديد العتيق يعانقه الهواء المالح القادم من بحر صور يطوي السنين ولا تطويه ...

لوجع الحديد الذي براه الصدأ فأمسى لونه كلون الارض ..

 للذكريات التي حفرناها فوق وجه الابواب العتيقة والنوافذ الخشبية البالية ...

لكل لحظة كنا نعلن فيها عن حبنا و فرحنا، عن غضبنا و خوفنا ، عن ضحكنا ودموعنا ... للاتراب الذين مشوا معنا الدرب ثم غابوا وما رجعوا ...

 

 

صور ...

 

 

 للعيون المتعبة الحالمة بغدٍ جميل .....

 للموج يتكسر على اقدام عاشقٍ فتيٍّ يبحث بين حبات الرمل عن صدفة ملونة يهديها لمعشوقته...

لصوتك ورائحتك ودفء نهاراتك ، لعطر البحر المتغلغل في نسيم لياليك ، لك انت يا صور يا ايتها الحبيبة الابدية ....

 لك انت الف سلام ..... 

 

في صور لنا مطارحنا التي لا ننساها ولنا فيها ذكرياتنا التي نرفض ان نتركها وترفض ان تغادرنا ، لنا فيها قصص الطفولة وحكايات الصبا واحلام الشباب وتعب الرجولة .

ومن مطارحنا الغالية على قلوبنا مراجيح العيد قرب سينما الحمرا فما حكاية هذه المراجيح وكيف بدأت ؟

تعتبر صور في تاريخها الحديث ومنذ مطلع القرن الماضي مدينة الفقراء والصيادين والعمال الكادحين ، وكانت صور قديماً وكما هو معروف عبارة عن الحارة القديمة اما حي الرمل فيها فهو حي حديث نسبياً يرجع تاريخه الى بداية الستينات ، وكانت الحارة القديمة ذات البيوت المبنية بالحجر الرملي هي حارة الفقراء بحق الذين شكلوا الغالبية العظمى من سكانها مع بعض الميسورين ومتوسطي الحال .

وكان هؤلاء الفقراء يمضون نهاراتهم واجزاء من ليلهم في العمل الدؤوب لسد رمقهم ورمق عيالهم وهذا كان حالهم معظم ايام السنة، حتى اذا ما جاء عيد الفطر او عيد الاضحى احتاروا بما يفرحون اولادهم بمقدم العيد فالامكانات منعدمة ووسائل ادخال البهجة الى قلوب الاطفال قليلة ، فكانت مرجوحة العيد .

يحدثنا صوري عتيق من فقراء هذه الحارة الكبيرة بناسها ان فكرة مرجوحة العيد بدأت بمبادرات فردية من بعض سكان الحارة خصوصاً اولئك الذين كانوا يقطنون دوراً فيها باحة واسعة فكان الشخص من هؤلاء ينصب مرجوحة حديدية في باحة منزله ويقصده جيرانه واطفالهم للعب والاستمتاع بالمرجوحة طيلة ايام العيد ، وكانت هذه المراجيح تبقى منصوبة في البيوت على مدار السنة الا ان الاقبال عليها لم يكن كثيفاً الا في ايام العيد .

ويتابع محدثنا : مع تقدم الايام لم تعد المراجيح الفردية المتواجدة هنا وهناك في بيوت الحارة تلبي الحاجة فكان ان انتقلت كل هذه المراجيح اوائل الخمسينات الى تلة العيد .

و تلة العيد هذه كما كانت تعرف في صور هي تلة كبيرة من الرمال كانت قائمة في المنطقة التي تقوم عليها اليوم تكميلية صور الرسمية الاولى ومنها شرقاً الى العقار الذي يقوم عليه اليوم مبنى كشافة الجراح وما بينهما من مساحة رملية ، وقد اعتاد الصوريون على نصب المراجيح هناك ايام عيدي الفطر والاضحى وكان الناس يقصدون تلة العيد قادمين من الحارة واصبح جو العيد اكثر فرحاً خصوصاً بالنسبة للاطفال مع تجمعهم في مكان واحد وتنوع المراجيح والالعاب ، ومن هذه التلة ايضاً كان يضرب مدفع الافطار ايام رمضان .

وما ان اطلت الستينات حتى تملكت المديرية العامة للاثار قطعة من التلة واجرت فيها الحفريات فكانت المنطقة الاثرية التي يوجد على طرفها بناء نبع صور الشهير فزالت تلة العيد وانتقلت المراجيح مع اصحابها الى مكان جديد .

الى قطعة ارض رملية خالية تقع بمحاذاة سينما الحمرا انتقل كرنفال العيد الصوري المتواضع وبقي الصوريون على عادتهم في الاحتفال بالعيدين في هذه الرقعة من الارض حتى يومنا هذا وإن شهد الاقبال عليها تراجعاً كبيراً بعد دخول مدن الملاهي العملاقة على الخط بينما لم تتبدل مراجيح العيد الصورية العتيقة هذه فتبدو اليوم للناظر اليها وكأنها قد جاءت من ذاك الزمن الجميل البسيط والنقي في انسانه وفي حياته .

" العيد " قرب سينما حمرا

 

 

 

 

هي قطعة ارض صغيرة نسبياً بمساحتها جمعت بين ذراعيها افراح واحلام اجيال من الصوريين توالت عليها تحتفل بالعيد ، فعرفها الناس بإسم " العيد " .

قبل يومين من قدوم العيد كان اصحاب المراجيح يخرجون مراجيحهم من مستودعاتها ويجرون عليها الصيانة اللازمة ثم ينقلونها الى " العيد " وينصبوها في امكنتها المحددة بإنتظار اليوم الموعود .

وبقدوم العيد يتوافد الصوريون مصطحبين اطفالهم الى المراجيح ليحتفلوا هناك بالعيد في جو من الصفاء والسرور والبساطة لم تعد تعرفه ايامنا الحالية .

والمراجيح الصورية انواع مختلفة يعرف الصوريون كل منها بإسم مميز فهناك " المرجوحة " وهي التقليدية التي تتألف من مقعدين متقابلين يتسع كل مقعد لثلاثة اطفال ويدفعها صاحبها يميناً وشمالاً ، وهناك " السرير " وهو مرجوحة تتألف من مقعد واحد مستطيل الشكل ذو ارض خشبية يقف احد الفتية بداخله ويدفع به بحركات متناسقة من جسده فيتأرجح السرير ذهاباً وإياباً وكان الفتية يتبارون فيمن يستطيع الارتقاء اعلى بالسرير،وهناك ايضاً  الدويخة" وهي عبارة عن حلقة معدنية كبيرة مستديرة الشكــل

عباس حوماني و مرجوحة " السرير "

 

 

على اطرافها مقاعد يتسع كل منها لطفل واحد فقط وهي تدور حول نفسها بالدفع اليدوي الذي يعمد اليه صاحبها ، كما وهناك " الدولاب " ويتألف من اربع مقصورات في كل منها مقعدين متقابلين وهذه تدور حول محورها بشكل عامودي واخيراً هناك " الزيزي طالعة ونازلة " وهي عبارة عن عامود معدني طويل يتوسطه قاعدة وعلى كل طرف من اطرافه مقعد لشخص يصعد احدهما فينزل الآخر والعكس.

 هذه كانت اشهر انواع المراجيح التي عرفتها صور وما زالت تعرفها حتى يومنا هذا .

وكان يرافق اللهو بالمراجيح اهازيج ملازمة لذلك تميزت بها صور وحفظها الناس عن ظهر قلب وكان الاطفال يرددونها اثناء تأرجحهم وأشهرها " يا ولاد الأوشي يويا " .

وكان لاصحاب المراجيح عباراتهم الخاصة بالمصلحة يستخدمونها  للاشارة الى امر معين ككلمة " مولا " التي تشير الى انتهاء الدور .

اما صناعة المراجيح فكانت تتم لدى حدادي المدينة وكان اشهر من عرف بصناعة المراجيح في صور هو المرحوم ابو خليل الصدقي .

واليوم لم يبقَ في صور سوى ثلاثة اشخاص يملكون حولي العشرة مراجيح ينصبونها ايام العيد وهذه المراجيح قد اصبحت عتيقة للغاية حيث يناهز عمر اصغرها الخمسة وعشرون عاماً واحد هؤلاء هو الصوري العريق الحاج ابو غزوان عابد الذي يملك دولاب وسريرين ودويخة ويخبرنا ابو غزوان انه يعمل في هذه المصلحة منذ اربعين عاماً او اكثر وهو يرى ان المراجيح فقدت زخمها واستقطابها للناس مؤخراً بدخول الحداثة عبر الالعاب الكهربائية المتواجدة في مدن الملاهي العملاقة ، الا ان ابو غزوان يشدد على ان الاصالة تبقى للمرجوحة التقليدية التي افرحت قلوب الصوريين لعقود مضت .

 

ويؤكد ابو غزوان ان لديه مرجوحة عمرها ثلاثين عاماً وهي ما زالت بحالة رائعة ويخضعها للصيانة بشكل دوري وهو يفخر بها .

ابو غزوان الذي خسر عدداً من مراجيحه خلال اجتياح 1982 بعدما تعرضت صور للقصف المعادي اعاد تصنيع مراجيح جديدة ورمم مراجيح أخرى وهو مستمر في نصب مراجيحه ايام العيد مذاك وحتى اليوم .

 

 

الحاج ابو غزوان عابد ومرجوحة " الدولاب "

 

ومن اصحاب المراجيح الحاليين في صور ايضاً عباس حوماني وبسام عوض وهما من الاشخاص العريقين في المهنة كذلك .

ومن المراجيح التي كانت وسيلة الترفيه الاساسية في العيد الى بعض ما رافق العيد من مظاهر احتفالية ووسائل تسلية وترفيه بعضها لم يعد موجوداً بينما حافظت أخرى على بقائها ومن اهمها :

- حلوى العيد : حلوى العيد الاساسية كانت ما يعرفه الصوريون ب " المربى البيروتي " وهو عبارة عن تفاحة يتم غمسها كلها بمزيج من القطر الساخن المصبوغ باللون الاحمر وتترك لتنشف ويتجمد السائل حولها ويتم حينها غرس قطعة خشبية في وسطها حتى يتمكن المشتري من الامساك بها واكلها ، وكان المربى البيروتي يوضع على صواني معدنية وتباع الى الاطفال خصوصاً بثمن زهيد .

- بسطات الالعاب : وكان يتواجد حول هذه المراجيح عدد من البسطات التي تبيع الالعاب البلاستيكية الخفيفة وخاصة المسدسات والبنادق والعرائس الخاصة بالفتيات وايضاً " اليناصيب" او " الضمرة " كما يسيمها الصوريون حيث يتم اجراء سحب على دمية معينة بواسطة ورقة " الاسماء والارقام " الشهيرة .

- اما بسطات المفرقعات النارية فكان لها نصيبها الوافر من الاقبال حيث كان يتم بيع كميات كبيرة من المفرقعات والالعاب النارية طيلة ايام العيد وكانت صور لا تستكين في هذه الايام ولا تمر فيها دقيقة الا ويسمع صوت المفرقعات النارية هذه .

- حصان العيد : وكان هناك ايضاً حصان العيد الذي يحضره احد الاشخاص ويؤجره الى الاطفال بمبالغ مقبولة حيث يصعد من استأجر الحصان على ظهره ويمسك صاحب الحصان باللجام ويطوف بالطفل من مكان العيد حتى آخر الشارع لناحية الاثار ويعيده مجدداً الى مكانه مفسحاً في المجال امام طفل آخر.

السينما : اما الاقبال على دور السينما فكان شديداً وخاصة سينما حمرا لوقوعها بالقرب من مكان العيد وكانت تعرض في فترة العيد افلام الكاراتيه على وجه الخصوص نظراً لشعبيتها كما ان استديو درويش كان لديه آلة عرض سينمائية صغيرة في الطابق العلوي وكان يعرض لعدد محدود من الزبائن افلام " والت ديزني " الشهيرة على مدى حوالي نصف ساعة ليليهم آخرون بعد ذلك .

هذه باختصار كانت اهم مباهج العيد في مدينة الفقراء صور على مدى عشرات السنين التي مضت كحلم جميل وتركت لنا ذكريات تسكن منا طي العيون نعود اليها في كل حين ونركن الى سحرها فلا نقدر ان نفارقها ولو فارقتنا ولا ان ننساها ولو كثرت همومنا ومشاغلنا .

 

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©