عند هذا الحد انتهى بيان المفتين الكريمين
الذي صدر من قلب مدينة صور .
وقد استقبل اهالي مدينة صور هذا البيان
بالاستنكار والاستياء الشديدين وبحالة من
الاستغراب وعدم التصديق ، فسماحة المفتيين
الكريمين ، المكلفين اصلاً بشؤون دينية تتعلق
بعلاقة الانسان بخالقه ، قد اضافا من تلقاء
نفسيهما الى دور كل منهما الديني ادواراً اخرى
اقتصادية وتشريعية وسياسية ، وكان الامر ليكون
مقبولاً من الناس لو انه جاء متوازناً ولم
يتخذ موقفاً منحازاً لاحد طرفي النزاع في
لبنان ( وهو ما يفترض عادة في دور رجال الدين
) ، الا ان انحيازه التام لجهة السلطة وفريق
14 شباط قد وضع سماحة المفتيين الكريمين في
دائرة الاتهام بأنهما منحازان سياسياً لهذا
الفريق ويروجان لسياسته ربما عن قناعة وربما
لاسباب اخرى لا يعلمها الا الله وهو ما يتناقض
مع دور كل منهما كمفتٍ لصور ولكل ابناء هذه
المدينة صاحبة التاريخ العريق في الوحدة
الوطنية والعيش المشترك .
وبالعودة الى بيان المفتيين فهو قد نوه
بالنجاح المنقطع النظير لمؤتمر باريس 3
وبالتظاهرة الدولية التي تجلت من خلاله لدعم
لبنان وكنا نود لو ان هذا البيان قد تضمن
ايضاً ادانة لبعض الدول التي شاركت في المؤتمر
والتي ساهمت بدعم لبنان مادياً بعد ان كانت قد
ساهمت بتدميره وقتل ابنائه عبر دعم اسرائيل
مادياً وعسكرياً بمليارات الدولارات لتدمير
الجنوب على رؤوس ابنائه كالولايات المتحدة
وبريطانيا مثلاً .
وينتقل سماحتهما الى الدور التشريعي عبر
الدعوة الى انعقاد مجلس النواب لمواكبة الناجح
الباهر الذي تحقق في باريس 3 !! ولحسن الحظ
فإن البيان لم يتضمن فتوى دستورية بجواز
انعقاد المجلس برئاسة نائب الرئيس !!
ثم ينتقل المفتيان الى التنويه بدعوة القيادات
لسحب المعتصمين من وسط بيروت ، وقد فات
المفتيين الكريمين تحديد صنف هذه القيادات
بأنها من فريق 14 شباط فقط لاغير اضافة الى
السفيرين الامريكي والفرنسي اللذين وجها ذات
الدعوة مراراً علماً ان هذين السفيرين هما من
القيادات البارزة على الساحة اللبنانية في
الوقت الحاضر فلم نعلم اذا كان التنويه قد
شملهما هما ايضاً .
وتضمن البيان تنويهاً بالجيش قيادة وافراداً
وبالدور البناء الذي يقوم به حفاظاً على الامن
والاستقرار وهذا امر جيد بعد حملة الاستهداف
الشباطية التي شككت بدور جيشنا الوطني وحاولت
النيل من كرامته ومعنوياته ولكن البيان من
ناحية ثانية لم يتضمن تنويهاً مشابهاً
بميليشيا القوات اللبنانية التي قال قائدها
جعجع ان قواته نزلت الى الشوارع وفتحت الطرقات
وفرضت الامن وقدمت شهداء وجرحى كون الجيش قد
تساهل وتراخى وهذا غبن للقوات الباسلة عسى ان
تتداركه البيانات اللاحقة !
وقد لوحظ ان البيان وإذ كان همه سحب المعتصمين
من الساحات لتأثير ذلك الاعتصام على السلم
الاهلي وعلى الاستقرار كما جاء فيه فإنه لم
يتضمن ولو اشارة صغيرة الى مدى التأثير الذي
احدثه قيام عناصر ميليشيا المستقبل والاشتراكي
بقنص الطلاب العزل امام الجامعة العربية
الخميس الماضي على هذا السلم ولم يتحدث عن
رجال الدين الذين يثيرون النعرات المذهبية ليل
نهار وعن بعض الجهات التي توزع السلاح في
الاحياء وفي الشوارع والازقة وعن اقامة
الحواجز المذهبية في الناعمة وفي الجية وغير
ذلك الكثير ....
ان البيان الذي صدر عن سماحة المفتيين لا يمثل
اهالي صور ولا يمثل الرأي العام الغالب في صور
وهو يمثل من اصدره فقط وبعض من حولهما ومن يقف
وراءهما من فريق السلطة الذي وللاسف لم يبقَ
امامه سوى استخدام رجال الدين في الدفاع عن
مشروعه الذي دخل طور الاحتضار .
وللمفتيين الكريمين نقول : انتما في مدينة صور
وكل منكما يحمل لقب مفتٍ لها وبالتالي عليكما
الالتزام بنهج هذه المدينة بالعيش المشترك
والوحدة الوطنية الحقة ، فهذه المدينة يا سادة
هي مدينة المقدس عبد الحسين شرف الدين والامام
موسى الصدر والعلامة الشيخ موسى زهير
والمطارنة جورج حداد ويوحنا حداد ويوسف الخوري
وهؤلاء العظماء هم مدارس ونماذج في العيش
المشترك والتقريب بين الطوائف ومحاربة الفتنة
المذهبية ، هؤلاء الكبار لم يتخذ اي منهم
موقفاً منحازاً لطرف او لجهة في المدينة على
امتداد السنين وهم احتضنوا الصوريين من كل
المذاهب والطوائف ولم تتعود صور عبر تاريخها
على رجل دين ينحاز لطرف من ابنائها دونما طرف
آخر .
لن
نقبل ان يقوم احد بزرع بذور الفتنة والتفرقة
بين ابناء المدينة الذين عاشوا اخوة
واحبة في احلك ظروف الحرب واقساها ، ان بيانكم
اليوم لم يفعل شيئاً سوى تأجيج حالة الاحتقان
المذهبي البغيض بدل ان يعمل على تهدئة الخواطر
فيما لو جاء متزناً ومعتدلاً ، ولكن ربما كان
هذا هو فعلاً ما هدف اليه البيان ومن وقف وراء
اصداره .
يقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
"
الفتنة نائمة لعن الله من ايقظها "
، صدق رسول الله .