ويبدو التساؤل مشروعاً ومبرراً لعدة اسباب لا
تخفى على عاقل ، فالمدينة التي تنتظر فصل
الصيف بفارغ الصبر لكي تنتعش وتنشط الحركة
السياحية والاقتصادية فيها كانت اليوم على
موعد مع ايادٍ مجرمة وخبيثة قصدت ان تلحق
الضرر بها وبناسها الطيبين الذي قدموا موسمهم
السابق في صيف العام 2006 قرباناً على مذبح
الوطن لتنتصر المقاومة وانتصرت وكان الامل
يحذوهم في ان يكون الموسم الحالي خير تعويض عن
سابقه .
وكانت بوادر هذا الصيف الواعد قد تجلت في ابهى
حللها خلال الاسبوعين المنصرمين وخاصة ايام
السبت والاحد عندما اكتظت صور بالزائرين من
مختلف المناطق اللبنانية وبالسواح
الاجانب من الجنسيات المختلفة كما شهدت
الاسواق التجارية حركة نشطة وكان محظوظاً كل
من وجد له مكاناً في احدى الخيام البحرية
المنتشرة على طول الشاطئ الصوري الجنوبي كما
في منطقة رأس الجمل وكذلك في المطاعم المختلفة
في المدينة .
ويبدو ان تردي الاوضاع الامنية في بيروت
والجبل قد حول وجهة الحركة السياحية وخاصة
الداخلية منها نحو مدينة صور التي استبشر
اهلها وتجارها بالموسم الواعد المقبل ، الا ان
المجرمين كان لهم رأي آخر في الموضوع .
ويبدو هذا التحليل مبرراً لعدة اسباب منها
مكان وضع العبوة ونوعها وحجمها وسرعة انتشار
الخبر اعلامياً وبشكل مغاير للحقيقة والواقع .
فمن ناحية مكان وضع العبوة فقد كان ملفتاً
وضعها في منطقة الشاطئ الجنوبي لمدينة صور
مقابل الخيام البحرية وفي مكان يقع في منتصف
هذا الشاطئ مقابل الخيمة رقم 10 وهذا المكان
هو القلب السياحي النابض لصور خلال فصل الصيف
، والذي يثير الريبة اكثر هو ان هذه العبوة قد
وضعت في مكان مكشوف في موقف السيارات وبشكل
تعمد واضعها ان يعثر عليها اول شخص يمر في
المكان وهكذا كان كما ان طريقة وضع ساعة
التوقيت في اعلى العلبة وبصورة واضحة دون عناء
تمويه العبوة بشكل احترافي او ما شابه يدل على
نية واضحة في اثارة البلبلة والقلق وليس
القيام بأي عمل امني .
اما من ناحية نوع العبوة وطريقة تصنيعها فبدا
انها قد ركبت على عجل وبطريقة بدائية لم يكن
القصد منها التفجير بحد ذاته بقدر ما كان
الهدف هو اثارة الذعر والبلبلة والخوف .
ولكن النقطة الاهم هي السرعة التي انتشر بها
الخبر اعلامياً وبشكل الحق افدح الاضرار
بالمدينة ومؤسساتها السياحية وبالرغم من
محاولات بلدية صور ابقاء الامر في اطاره
الطبيعي والعمل لحصره وعدم انتشاره اعلامياً
الا انه ظهر في المقابل ان هناك من كان يعمل
على التضخيم الاعلامي المفتعل .
فلقد نقلت وسائل الاعلام بسرعة قياسية ان
الجيش فكك عبوة ناسفة على شاطئ صور الجنوبي في
مقابل الخيم البحرية وفي مكان يرتاده افراد
اليونيفيل وان هذه العبوة كانت معدة للتفجير
وهي تحتوي على 2 كيلوغرام من مادة سي فور
والتي يعادل انفجارها قوة 10 كيلوغرامات من
مادة تي ان تي الشديدة الانفجار ، ثم عادت
وسائل الاعلام لتنقل تصريحاً للناطقة الرسمية
باسم قوات اليونيفل نفت فيه ان يكون افراد
القوة الدولية يقصدون المنطقة المذكورة .
الا ان الاكثر اثارة للاستغراب والدهشة
والريبة هو تجاهل كل وسائل الاعلام للتقرير
الفني الذي صدر عن الخبير العسكري الذي كشف
على العبوة والذي اكد ان ما تحتويه من مواد هي
مواد حارقة مؤلفة من عدد من المواد الكيمياوية
المنتهية الصلاحية وهي ليست مواد متفجرة بحد
ذاتها وبالتالي فان هذه العبوة لم تكن صالحة
للانفجار بل للاحتراق علماً ان تقرير الخبير
العسكري صدر في وقت مبكر نسبياً في حوالي
العاشرة صباحاً ولكن التجاهل كان تاماً له
بالرغم من المحاولات الحثيثة التي قامت بها
بلدية صور لتعميم الامر على وسائل الاعلام دون
ان تلقى تجاوباً يذكر.
ولكن هل نجحت ايادي الاجرام في تخريب الموسم
السياحي الواعد في صور ، يبقى من المبكر
الاجابة على هذا التساؤل والايام المقبلة
كفيلة بذلك الا ان ما حدث اليوم انعكس توتراً
وقلقاً في ارجاء المدينة التي شهدت حركة خفيفة
صباحاً ومتوسطة مساءً .
وبالعودة الى تفاصيل ما حدث صباحاً في صور ،
فانه وعند الساعة الثامنة واثناء قيام عمال
التنظيفات في بلدية صور بعملهم في جمع
النفايات من الخيم البحرية على شاطئ صور
الجنوبي اشتبه احدهم بوجود علبة حليب نيدو
موضوعة بشكل ظاهر في موقف السيارات مقابل
الخيمة رقم 10 وفي اعلاها ساعة توقيت مموهة
بشكل بدائي عبر تغطيتها بكيس نايلون اسود
اللون .
وعلى الفور تم الاتصال بالجيش اللبناني
وبالقوى الامنية المختصة حيث حضرت الى المكان
على وجه السرعة قوة من الجيش واخرى من قوى
الامن الداخلي اضافة الى عدد من سيارات
الاسعاف التابعة للدفاع المدني في صور تحسباً
للأسوأ .
وقد قام عناصر الجيش بقطع الطريق الممتدة من
مستديرة استراحة صور السياحية وحتى مستديرة
مركز باسل الاسد الثقافي ومنعت مرور السيارات
في المكان وتم استدعاء الخبير العسكري الذي
قام بتفكيك العبوة وإبطال مفعولها ومن ثم
نقلها من المكان قبل ان يعاد فتح الطريق
مجدداً امام حركة السير .
وبعد الكشف على العبوة من قبل الخبير العسكري
تبين انها بدائية التجهيز وهي عبارة عن علبة
حليب معدنية تحتوي على 2 كلغ من مواد كيمياوية
حارقة وغير قابلة للانفجار بحد ذاتها ومربوطة
بصاعق وساعة تفجير ، ولم تكن العبوة تحتوي على
كرات معدنية او زجاجية او ما شابه .
وفور شيوع الخبر في مدينة صور شهدت شوارع
المدينة تراجعاً كبيراً في حركة السير وحركة
المواطنين وانعدمت الحركة تماماً في بعض
الاماكن .
كما شهدت المدينة استنفاراً امنياً نفذته
وحدات من الجيش اللبناني ، في حين باشرت القوى
الامنية تحقيقاتها في هذا العمل التخريبي
بإشراف مباشر من قبل مفوضية الحكومة لدى
المحكمة العسكرية .