على متن فلوكة
صورية ، تبحر برفقة المخرج الشاب شادي زيدان
على مدى ثلاثة ارباع الساعة ، تلتف في خلالها
حول شبه الجزيرة الازلية في رحلة دافئة ،
تكتشف اثناءها انك تعيش في مدينة تجمع الروعة
والجمال الطبيعي حيث تتداخل البيوت العتيقة مع
رمال الشطآن وحيث تغفو الشمس هناك قليلاً قرب
بحر الجمل لتطلع مجدداً من فوق كتف المعشوق ،
الى الحارات العتيقة والبيوت التي نحت الزمن
على جدرانها حكايات البطولة والعنفوان ، الى
سعي الفقراء اليومي وراء لقمة عيشهم ، وكدح
الصيادين في رحلاتهم اليومية على مشارف الخطر
الداهم وراء ما يسد رمق عيالهم ، الى الاهمال
المنظم لهذه الشريحة المنسية ولأدنى متطلبات
عيشها الكريم .
وانطلاقاً من
هذه الرؤية يقودك زيدان ( القبطان المتمرس على
متن فلوكته ) لتدخل وإياه الى البحر الغامض
والمجهول للبحار الصوري المفقود من حوالي
السنة محمد عادل فران .
لم يشأ زيدان
ان يسرد مجرد قصة اختفاء فران بمعزلٍ عن
البيئة الفقيرة التي يعيش فيها مع رفاقه
الصيادين ، بل اوجد رابطاً متيناً وواقعياً
بين قصته وقصص عدد من زملائه البحارة الصوريين
على مدى عقود من المعاناة والقهر اليومي ، دفع
في خلالها هؤلاء من صحتهم وحريتهم ولقمة عيشهم
وحتى من دمائهم .
تصل اليك
رسالة شادي بسلاسة عبر اشخاصٍ يروون بلغتهم
البحرية الصورية قصصهم و حكايات زملاءٍِ لهم
ذهبوا مع البحر ورجعوا شهداء وبعضهم لم يرجعوا
بعد ، فتشعر وكأنك تعيش بين هؤلاء تتشرب قهرهم
وتنفعل لانفعالاتهم ، تبكي لحرقتهم وتضحك
لمزاحهم .
ونرى في الأفق
البعيد ومن خلال " فلوكة " شادي ،فلوكة صورية
اخرى على دفتها بحار صوري يافع ، شاب اسمر في
مقتبل العمر ينطلق بصحبة الفقر والقهر منذ
بداية مشواره في هذه الحياة ، يندفع وراء لقمة
عيشه فيرفض العودة بفلوكته الى الميناء بالرغم
من " طلوع السماوي " قبل ان يجني ما يعادل ثمن
المازوت على الاقل .
ونعرف ان هذه
الفلوكة هي لمحمد فران واسمها " موهانا "
،ولكننا وبعد برهة نراها تهيم بمفردها مصابة
بطلقات نارية في مقدمتها وعلى دفتها ، التي
تبحث عن ربانها ، اثار دماء .
ونبحث مع
زيدان يرافقنا افراد عائلة فران ، الوالد
بقلبه المكسور والام بدمعتها الملتهبة ، عن
محمد في بحر الجمل وفي بحر الصليب وقرب الجزر
الصخرية وفي كل امكنة البحر الصورية فلا نعثر
عليه ، هل غرق و ابتلعه اليم ، هل هو اسير
جريح لدى الصهاينة ام انه شهيد برصاص حقدهم .
والسؤال يبقى
مفتوحاً على كل احتمالات الإجابة ، ولكن يبقى
الاحتمال الاقوى هو ان مصير محمد يعرفه
الصهاينة ، فأثار دمه على دفة " موهانا "
والرصاص الذي مزق مقدمتها قبل استعادتها منهم
بواسطة قوات الطوارئ الدولية دون ربانها ،
كلها ادلة تقود الى ان الشاب الصوري موجود
لديهم .
و نلتقي في
رحلة عودتنا الى ميناء صور البحري بعدد من
الفلايك الصورية منها السارح ومنها الراجع
للمبيت نحيي ربابنتها وبحارتها فيردون علينا
التحية نسألهم الا تخافون من مصير مشابه لمصير
محمد فران ، يجمعون على الاجابة نحن لم نتعود
الخوف ، الخوف اليوم اصبح في الجهة المقابلة ،
نحن نصل الى الحدود الدولية ونرجع و لايجرؤون
على التعرض لنا والفضل للمقاومة وقوة ردعها ،
ويطالبونك بنزع سلاحها .
وقبل ان نرسو
في الميناء يتمتم والد محمد ببعض كلمات تصدر
من قلب جريح تفهم منها عتبه على الدولة كونها
لم تولي قضية محمد الاهتمام اللازم ولا ينسى
توجيه عبارات الشكر للسيد حسن نصرالله الذي
اولى القضية كامل اهتمامه ووضع محمد على لائحة
الاسرى الذين تطالب المقاومة باستعادتهم من
سجون الاحتلال .
فلوكة ، فيلم
وثائقي مميز من اخراج ابن مدينة صور شادي
زيدان سيعرض قريباً على الشاشات المحلية .