قصة منزل آل بارود
بالأمس تم إفتتاح منزل آل بارود والواقع على
مشارف الجهة الجنوبية لحارة صور القديمة بجانب
المنزل الأشهر في المدينة لعقود خلت قصر آل
مملوك ، كمكتبة عامة بعدما تم ترميمه وإعادة
تأهيله ضمن مشروع الإرث الثقافي الجاري تنفيذه
في الحارة القديمة والذي سيتم خلاله أيضاً
ترميم العديد من الأبنية التاريخية في المدينة
، هذا العمل الذي سيعود بمردود معنوي وحضاري
يعيد الكثير من الوهج الفكري والتراثي لهذه
المدينة الجديرة بهكذا إنجاز .
وبالعودة إلى تاريخ منزل آل بارود فإن موقعنا
نجح في الحصول على القصة الحقيقية للمنزل
الشهير من مصدرها الرئيسي والأساس بعدما إلتقى
السيدين محمد و علي محمود بارود نجلي مالك
المنزل المرحوم محمود بارود الذي توفاه الله
في العام 1965 . وقد حدثنا السيدان بارود بكل
رحابة صدر عارضين لنا أهم الأحداث التاريخية
التي جرت فيه وهي بلا شك أحداث مؤثرة ومهمة
تدخل ضمن الإطار العام لتاريخ صور الإجتماعي
وهي جديرة بالتدوين والنشر كي يطلع عليها عموم
أبناء المدينة .
يروي السيدان محمد وعلي بارود بأن والدهما
المرحوم محمود بارود كان قد إشترى المنزل في
بداية عشرينات القرن الماضي من المالكين
الأساسيين للمنزل وهم آل مملوك . وكان المنزل
حينها يتألف من ثلاث طبقات كانت العائلة تسكن
في الطابقان العلويان ، بينما كان الطابق
الأرضي عبارة عن أقبية تستعمل لتخزين وتوضيب
الأغراض الخاصة بالمنزل . وهذه الأقبية هي
الجزء الوحيد الذي تبقى من المنزل والذي هو
حالياً المكتبة العامة التي إفتتحت مؤخراً .
كان لمنزل المرحوم محمود بارود أهمية خاصة
وإستراتيجية تميزه عن باقي منازل الحارة
القديمة في صور خلال تلك الفترة ، فهو كان
يعتبر أعلى منازل الحارة القديمة على الإطلاق
، وكان يشرف على عموم أحياء صور وكان يعلو حتى
مآذنة الجامع القديم ، وإضافة إلى ذلك فإنه
كان يطل على الشاطىء الجنوبي للمدينة بحيث كان
الجزء الجنوبي لصور يبدو مكشوفاً وبوضوح لكل
من يقف على سطح المنزل .
هذا الموقع الخاص والمهم لمنزل آل البارود دفع
الجيش الفرنسي خلال تواجده في المدينة خلال
أربعينيات القرن الماضي إلى إستخدامه ، إلى
إستخدام سطحه كنقطة مراقبة وأقاموا على سطحه
برج ومركز عسكري دائمين لمراقبة الشاطىء
الجنوبي للمدينة . ويذكر السيد محمد بارود أن
والدهم رفض أن يتقاضى أي بدل من الفرنسيين
لقاء هذا الإشغال وسمح للفرنسيين بإستعمال سطح
المنزل طوال فترة تواجدهم في صور مما دفع
بالجنرال ديغول إلى توجيه رسالة شكر خاصة
للمرحوم محمود بارود ، إلا أنهما يتأسفان كون
تلك الرسالة قد ضاعت وفقدت ولم يعد لها أي
آثر.
أما اللحظة التاريخية الأهم التي يتذكرها
الأخوان بارود عن منزلهما فهي عندما زارهم
الجنرال شارل ديغول رئيس فرنسا السابق فيه
وتناول عندهم طعام الفطور ، وهما يتذكران تلك
اللحظة بإعتزاز وإفتخار .
في العام 1954 غادر الأخوان بارود لبنان إلى
السنغال وخلي المنزل من أهله فيما عدا جدتهما
التي بقيت مقيمة فيه لحين وفاتها ، وبعدها
إستغل السيدان أبو فريد وأبو رياض الأشقر
المنزل وأقاما فيه سينما سميت بسينما شهرزاد ،
ولكن هذه السينما لم تدم أكثر من ثلاث سنوات ،
ليشغل المنزل بعد ذلك إبن عمهما السيد علي حسن
بارود وبقي يسكنه حتى إستملاكه من قبل
المديرية العامة للآثار التي كانت قد بدأت
خلال تلك الفترة بالتنقيب عن الآثار في
المنطقة التي يقع فيها المنزل وإستملكت في
حينها إضافة إلى منزل آل بارود العديد من
المنازل المجاورة له والتي تهدم الكثير منها
ولم يبقَ متواجداً منها حتى اللحظة إلا جزء
يسير منها .
بعد إستملاك مديرية الآثار للمنزل قامت بهدم
الطابقين العلويين منه وأبقت على القباء
الأرضي الذي أصبح من حينها خراباً غير نافع
للسكن ،فهجر المنزل نهائياً منذ ذلك التاريخ ،
ولم يعد الإهتمام به وترميمه إلا في عقب مشروع
الإرث الثقافي الجاري تنفيذه في صور حالياً .
خلال كل فترة حديثنا لم يخفِ السيدان محمد
وعلي بارود شوقهما وحنينهما إلى منزلهما الذي
شهدت جدرانه طفولتهما وصباهما ، وهما يكنان
الكثير من الود تجاهه ، وفي الوقت ذاته يظهران
عن سعادة كبيرة بإعادة ترميمه وتحويله إلى
مكتبة لأن ذلك أسهم في دب الحياة فيه من جديد
، خصوصاً وأن إسم عائلتهم قد إلتصق به وفي هذا
فخر كبير للعائلة بأكملها .
للرجلين الصوريين الكبيرين ، اللذين حملا اسم
صور وحبها في قلبيهما اينما ارتحلا وحققا
نجاحاً باهراً اعز المدينة ، للسيدين محمد
وعلي محمود بارود الف تحية حب وتقدير واحترام
.