كبير المغتربين الجنوبيين في السنغال محمد بارود في لقاء خاص مع موقعنا : الجنرال ديغول زارنا في منزلنا في صور والامام الصدر عقد قراني

 

موقع يا صور - 4/11/2007 

في قلبه هوى صوري خاص ، وفي أعماق فؤاده تتربع سيدة البحار ناشرة أشرعة عشقها في كل زاوية من زواياه المترعة بشغف صوري حميم . وأنت تحدثه عنها تشعر بطيف غريب قد إرتسم على محياه ، فإبتسامته الرقيقة الهادئة ، وعيناه المشعتان ، تدلان دون ريب أو تعب على ما يعتصر وجدانه من وله جارف لهذه المدينة التي أسكرته بحبها حتى الثمالة .

طاف أغلب أصقاع الأرض ، وعرف معظم بلدان العالم ، ومر في شريط حياته الحافلة آلاف الصور لأمكنة ومطارح تسحر كل من رمقها ولو بطرفة نظر ، لكن من بينها جميعاً ظلت الحارة الصورية بأزقتها القديمة المتعرجة وحجارتها العابقة بعطر التاريخ ، تدغدغ أقصى أحاسيسه وتستثير كل مشاعره ، فهي الحاضنة لطفولته ومراهقته ، وفوق كل بقعة من ترابه الندي إرتسم طيفه طفلا أو صبياًً يلهو مع أقرانه من أبنائها ، الذين كتبوا معه بقلم صوري خالص مئة حكاية وحكاية ستظل محفورة في ذاكرتهم التي لا تسترجع صورة جميلة إلا وكانت صور الحبيبة هي أجمل ألوانها وأروع مشاهدها .

محمد محمود بارود ، هو أحد أبناء هذه المدينة المتألقة التي أنجبت عبر تاريخها الطويل آلاف الرجال الذين أغنوا مسيرتها بقصص كفاحهم وإجتهادهم الدائم . هو من الأشخاص الذين لهم صيت ذائع ومكانة مرموقة في بلد إغترابه السنغال الذي وفده قبل أكثر من نصف قرن ، ومن هذا البلد الحاضن لمسيرة حياته العامرة بكل معاني النضال والكفاح الإنساني ، سجل محمد بارود إبن صور إسمه بأحرف من ذهب تشهد على لمعانها عشرات الأوسمة والاوشحة التي زينت صدره كدلالة على أعماله الكبيرة التي جعلت منه واحداً من أبرز الشخصيات في هذا البلد نظراً لمعارفه وعلاقاته الجيدة والقوية مع كل زعمائه وقادته .

 

المغترب الصوري والجنوبي الكبير محمد محمود بارود

 

موقع يا صور إستغل فرصة وجود إبن مدينتنا الكبير فيها ، فقصد منزل صهره السيد علي حلاوي في حي الآثار وأجرى معه هذا اللقاء الشيق ، والذي كان صورياً بإمتياز حيث إسترجعنا معه أجمل ذكرياته الصورية بحضور شقيقه السيد علي محمود بارود وعدد من الأصدقاء الصوريين المخلصين .

بدأ السيد محمد بارود الحديث متكلماً عن طفولته في صور يوم كانت المدينة تقتصر مساحتها الجغرافية على الحارة القديمة وحيث كانت اللآلفة والطيبة عنوان العلاقة بين أبنائها ، من هذا الزمن الجميل يتذكر أصدقاءه من أبناء المدينة الذين قضى برفقتهم أحلى سنوات الطفولة والشباب كالحاج محمود خياط ( أبو علي ) _ كان حاضراً معنا في اللقاء _ ، والمرحوم فؤاد حلاوي والسيد عفيف الخليل والحاج عاطف حلاوي وعلي محمود حلاوي وفضل حب الله والمرحوم عبد الحسين بارود ( أبوعاطف الفوال الشهير ) وغيرهم الكثيرين من أصدقاء الصبا .

في صور يتذكر السيد محمد بارود أيام الدراسة على مقاعد المدرسة الجعفرية هذا الصرخ التربوي الذي خرج رجالاً كباراً ليس على مستوى صور فحسب ، بل على مستوى صور والوطن ، ويذكر العلاقات الطيبة التي كانت قائمة بين عائلته وآل شرف الدين حيث كانت تجمع العائلتان الصوريتان روابط صداقة قوية لا سيما مع المقدس سره الطيب الثرى السيد عبد الحسين شرف الدين ونجله الوزير السابق السيد جعفر شرف الدين .

في العام 1954 غادر السيد محمد بارود صور قاصداً السنغال للعمل برفقة والده تاجر الأقمشة الكبير الذي فتح أعين نجليه محمد وعلي عالم التجارة فعملا برفقة والدهم وإستمرا برفقته حتى رحيله عن هذه الدنيا في العام 1965 فتابعا من بعد رحيله مسيرته الناجحة وكانا خير خلف لخير سلف ، حيث أنهما أثرا هذه التجارة وتوسعا في عملهما حتى وصلا إلى مكانة مرموقة بفضل صدقهم وأمانتهم وإخلاصهم التي يشهد لهما بها البعيد قبل القريب .

متحدثاً الى موقع يا صور والى جانبه شقيقه علي واحد اصدقائه

 

قصة كفاحهم وعطائهم في السنغال فتحت أمامهم أوسع أبواب النجاح فنسجا علاقات متينة مع كبار الشخصيات السياسية والإقتصادية فيه ، ولعل هذا مايفسر هذا الكم من الآوسمة التي حصل عليها السيد محمد بارود ، والتي قلده إياها أكثر من رئيس للجمهورية هناك كعربون وفاء وتقدير من هذا البلد لذلك الإنسان الكبير صاحب اليد البيضاء ، وكان آخرها وشاحاً قلده إياه الرئيس الحالي للسنغال عبدالله واد وهو وشاح Grand Croix de l’Ordre du Merite . وفي هذا الإطار لا بد من ذكر العلاقة الخاصة التي تربط السيد محمد بارود بالشيخ عبد العزيز سي الخليفة العام للطائفة التيجانية في السنغال وأفريقيا السوداء ، وهذا الشيخ الجليل معروف عنه كثرة أتباعه من المؤمنين الذين يربو عددهم عن السبعة ملايين شخص هم أكثر من ثلاثة أرباع شعب السنغال. وأيضاً لا بد من الإشارة إلى أعمال الخير الكثيرة التي يضطلع بها إبن صور في السنغال والتي جعلته يعرف هناك  بأبي الفقراء كدلالة على إنسانيته وعطفه على المساكين والمحتاجين الذين وقف دائماً إلى جانبهم مبلسماً آلام عوزهم من النعم التي من الله عليه بها .

خلال وجوده في السنغال لم ينقطع السيد محمد بارود عن صور بل إنه بقي يتردد عليها دائماً وكلما سنحت له الفرصة يدفعه إليها شوقه الكبير وحبه الجارف لها الذي بقي يزداد يوماً بعد يوم ، والذي لم تنفع كل المسافات البعيدة والمشاغل الكثيرة في ترويضه أو تخفيفه . فبقي محمد بارود إبن صور وفياً لكل عهود الحب والوفاء التي قطعها مع مدينته الغالية .

في العام 1969 حضر محمد بارود إلى صور وهذه المرة كان لحضوره معناً خاصاً وطعماً آخر حيث إرتبط بشريكة حياته وعقد قرانه سماحة الإمام المغيب السيد موسى الصدر ، وقد حضر حفل القران هذا حشد من شخصيات المدينة وأهم رجالاتها في ذلك الحين كالوزير والنائب السابق كاظم الخليل ونجله السفير خليل الخليل والوزير السابق المرحوم علي عرب والمرحوم عباس حلاوي والسيد عبد الحسين حلاوي والمرحوم إبراهيم عرب .

سماحة الامام الصدر يعقد له قرانه بحضور الوزير الراحل كاظم الخليل

 

هذا مقتطف موجز من حياته الحافلة بكل معاني النجاح والعطاء والكفاح ، وهذا بعض مما إستطعنا تدوينه خلال جلستنا القصيرة معه والتي كانت مخصصة أصلاً للإستماع منه إلى حكاية منزل عائلته الشهير في صور والمعروف بدار آل بارود الذي تم إفتتاحه كمكتبة عامة ، إلا أن الجلوس في حضرة هذا الرجل والإستماع إلى حديثه عن صور وأهلها وناسها وأحوالها ، وحبه الكبير والمتعاظم لها يوماً بعد ، وأيضاً مسيرة حياته الشخصية والمهنية الناجحة والحافلة بالأحداث والأخبار ، كل ذلك يدفعك لاشعورياً للغوص معه أكثر وأكثر في سيرته الذاتية ، التي رأيناها مادةً قيمةً وغنيةً تصلح أن تكون موضوعاً صورياً دافعاً للفخر والإعتزاز وجديراً بالنشر والقراءة .

مكرماً من قبل الرئيس السنغالي عبد الله واد

قصة منزل آل بارود

 بالأمس تم إفتتاح منزل آل بارود والواقع على مشارف الجهة الجنوبية لحارة صور القديمة بجانب المنزل الأشهر في المدينة لعقود خلت قصر آل مملوك ، كمكتبة عامة بعدما تم ترميمه وإعادة تأهيله ضمن مشروع الإرث الثقافي الجاري تنفيذه في الحارة القديمة والذي سيتم خلاله أيضاً ترميم العديد من الأبنية التاريخية في المدينة ، هذا العمل الذي سيعود بمردود معنوي وحضاري يعيد الكثير من الوهج الفكري والتراثي لهذه المدينة الجديرة بهكذا إنجاز .

وبالعودة إلى تاريخ منزل آل بارود فإن موقعنا نجح في الحصول على القصة الحقيقية للمنزل الشهير من مصدرها الرئيسي والأساس بعدما إلتقى السيدين محمد و علي محمود بارود نجلي مالك المنزل المرحوم محمود بارود الذي توفاه الله في العام 1965 . وقد حدثنا السيدان بارود بكل رحابة صدر عارضين لنا أهم الأحداث التاريخية التي جرت فيه وهي بلا شك أحداث مؤثرة ومهمة تدخل ضمن الإطار العام لتاريخ صور الإجتماعي وهي جديرة بالتدوين والنشر كي يطلع عليها عموم أبناء المدينة .

يروي السيدان محمد وعلي بارود بأن والدهما المرحوم محمود بارود كان قد إشترى المنزل في بداية عشرينات القرن الماضي من المالكين الأساسيين للمنزل وهم آل مملوك . وكان المنزل حينها يتألف من ثلاث طبقات كانت العائلة تسكن في الطابقان العلويان ، بينما كان الطابق الأرضي عبارة عن أقبية تستعمل لتخزين وتوضيب الأغراض الخاصة بالمنزل . وهذه الأقبية هي الجزء الوحيد الذي تبقى من المنزل والذي هو حالياً المكتبة العامة التي إفتتحت مؤخراً .

كان لمنزل المرحوم محمود بارود أهمية خاصة وإستراتيجية تميزه عن باقي منازل الحارة القديمة في صور خلال تلك الفترة ، فهو كان يعتبر أعلى منازل الحارة القديمة على الإطلاق ، وكان يشرف على عموم أحياء صور وكان يعلو حتى مآذنة الجامع القديم ، وإضافة إلى ذلك فإنه كان يطل على الشاطىء الجنوبي للمدينة بحيث كان الجزء الجنوبي لصور يبدو مكشوفاً وبوضوح لكل من يقف على سطح المنزل .

هذا الموقع الخاص والمهم لمنزل آل البارود دفع الجيش الفرنسي خلال تواجده في المدينة خلال أربعينيات القرن الماضي إلى إستخدامه ، إلى إستخدام سطحه كنقطة مراقبة وأقاموا على سطحه برج ومركز عسكري دائمين لمراقبة الشاطىء الجنوبي للمدينة . ويذكر السيد محمد بارود أن والدهم رفض أن يتقاضى أي بدل من الفرنسيين لقاء هذا الإشغال وسمح للفرنسيين بإستعمال سطح المنزل طوال فترة تواجدهم في صور مما دفع بالجنرال ديغول إلى توجيه رسالة شكر خاصة للمرحوم محمود بارود ، إلا أنهما يتأسفان كون تلك الرسالة قد ضاعت وفقدت ولم يعد لها أي آثر.

أما اللحظة التاريخية الأهم التي يتذكرها الأخوان بارود عن منزلهما فهي عندما زارهم الجنرال شارل ديغول رئيس فرنسا السابق فيه وتناول عندهم طعام الفطور ، وهما يتذكران تلك اللحظة بإعتزاز وإفتخار .

في العام 1954 غادر الأخوان بارود لبنان إلى السنغال وخلي المنزل من أهله فيما عدا جدتهما التي بقيت مقيمة فيه لحين وفاتها ، وبعدها إستغل السيدان أبو فريد وأبو رياض الأشقر المنزل وأقاما فيه سينما سميت بسينما شهرزاد ، ولكن هذه السينما لم تدم أكثر من ثلاث سنوات ، ليشغل المنزل بعد ذلك إبن عمهما السيد علي حسن بارود وبقي يسكنه حتى إستملاكه من قبل المديرية العامة للآثار التي كانت قد بدأت خلال تلك الفترة بالتنقيب عن الآثار في المنطقة التي يقع فيها المنزل وإستملكت في حينها إضافة إلى منزل آل بارود العديد من المنازل المجاورة له والتي تهدم الكثير منها ولم يبقَ متواجداً منها حتى اللحظة إلا جزء يسير منها .

بعد إستملاك مديرية الآثار للمنزل قامت بهدم الطابقين العلويين منه وأبقت على القباء الأرضي الذي أصبح من حينها خراباً غير نافع للسكن ،فهجر المنزل نهائياً منذ ذلك التاريخ ، ولم يعد الإهتمام به وترميمه إلا في عقب مشروع الإرث الثقافي الجاري تنفيذه في صور حالياً .

خلال كل فترة حديثنا لم يخفِ السيدان محمد وعلي بارود شوقهما وحنينهما إلى منزلهما الذي شهدت جدرانه طفولتهما وصباهما ، وهما يكنان الكثير من الود تجاهه ، وفي الوقت ذاته يظهران عن سعادة كبيرة بإعادة ترميمه وتحويله إلى مكتبة لأن ذلك أسهم في دب الحياة فيه من جديد ، خصوصاً وأن إسم عائلتهم قد إلتصق به وفي هذا فخر كبير للعائلة بأكملها .

للرجلين الصوريين الكبيرين ، اللذين حملا اسم صور وحبها في قلبيهما اينما ارتحلا وحققا نجاحاً باهراً اعز المدينة ، للسيدين محمد وعلي محمود بارود الف تحية حب وتقدير واحترام .

محطات مصورة من حياته

مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري

 

مكرماً في اليابان

 

مع الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك

 

مع سماحة الامام القائد السيد موسى الصدر

 

مستقبلاً البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير

 

مع مجموعة من الصوريين يتوسطهم سماحة الامام الصدر

 

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©