ابن صور الاستشهادي هيثم صبحي دبوق : حياته، جهاده، استشهاده

 

موقع يا صور- 6/11/2006

لعل في دفاتر ذاكرة المدينة العديد والعديد من الشخصيات والأبطال والثوار والمقاومين الذين أثروا تاريخ هذه المدينة وأغنوه بالكم الوافر من البطولة والشرف والكرامة . وصور الغارقة في بحر الزمن و التاريخ لم تكن يوماً إلا منبتاً للشهداء والمضحين الذين قدموا أرواحهم قرابين فداء على مذابح هذا الوطن , وقصة الشهادة في صور تطول ولا تنتهي ، ولعل بل الأكيد أن من إنضموا إلى قافلة شهداء المدينة بالأمس القريب من شهداء الوعد الصادق وهم الشهيد علي دلباني وأحمد مهنا ومحمد فاخوري لن يكونوا الأخيرين .

وفي مسار ركب شهداء هذه المدينة يلمع إسم الشهيد هيثم صبحي دبوق ، الإستشهادي بطل عملية تل النحاس في مرجعيون النوعية . فما جرى في تل النحاس يوم 19/8/1988 كان اصعب من ان تستوعبه قيادة العدو الإسرائيلي سريعاً . هذه العملية ونظراً لنوعيتها وضخامتها ظلت اصداؤها تتردد طويلاً داخل الكيان الصهيوني . وفي هذه المقالة سنحاول ان نلقي الضوء على ما جرى بالتفصيل في هذه العملية بعد أن نزود القارىء الكريم بنبذة مفصلة عن حياة هذا الإستشهادي الكبير الذي ستظل ساحات صور وشوارعها وزواريبها العتيقة تتذكره طويلاً  , وكيف لا وهو الذي فُطِر على حب هذه المدينة وشب فيها قبل أن يُسلِم روحه الطاهرة إلى الملك الأعلى مستبقياً جسده في تراب هذه المدينة التي كبُرت به وعظُمت بعظمة تضحياته .

 

وبادىء ذي بدء نلفت نظر القارئ الكريم إلى أن كامل هذه المعلومات مستقاة ومأخوذة من كتاب  " يا زهرة بفم الربيع " للمهندس منجي صبحي دبوق شقيق الشهيد ، والذي زودنا به والد الشهيد  الأستاذ صبحي دبوق الغني عن التعريف والذي تتلمذت على يديه أجيال وأجيال من أبناء هذه المدينة .

وفيما يلي حياة الشهيد وجهاده واستشهاده :

 

يافطة تبين مكان عملية الاستشهادي هيثم دبوق في تل النحاس

 

 

حيــاة الهيثــم

كانت الولادة في 30/9/1968 في احد أحياء مدينة صور القديمة ، حيث نما الفتى وترعرع ، فعرف المدينة وعرفته ، فتعلق بها وتعلقت به وعرفه ناسها وعرفوا منه دماثة في الخلق ورحابة في الصدر ونظرة هادئة تنظر إلى البعيد إلى ماوراء الأشياء والزمان والمكان .

إبتدأ بتلقي علومه في سن الثالثة في مدرسة راهبات مار يوسف الظهور في صور التي كانت تمثل إحدى أفضل المدارس في المدينة في ذلك الوقت ، حيث درس لمدة ثلاث سنوات في جو لايمت للدين الإسلامي بصلة . وبحلول العام 1974 إنتقل الأهل إلى منزل جديد في القسم الحديث من المدينة وبالتالي إنتقل هيثم إلى مدرسة أخرى قرب المنزل الجديد تعرف بإسم مدرسة جنة الطلبة ولمدة ثلاث سنوات أخرى .

وبحلول العام 1977 إنتقل إلى تكميلية صور الرسمية الأولى للصبيان ، حيث كان يُدرِس والده الأستاذ صبحي دبوق ، فمكث حتى العام 1983 . وخلال هذه الفترة بالذات إبتدأت شخصيته بالتبلور وبالفهم الكامل للمحيط والفروقات بين الأديان والطائفية فهفت نفسه إلى الدين وإبتعدت عن الطائفية ، خاصة ان أصدقاء ذويه كانوا ينتمون إلى الدينين المسيحي والإسلامي وبطوائفهما المختلفة . كما إبتدأت تظهر قدراته التعلمية والفنية والفكرية وإبتدأ بالتعرف إلى الدين الإسلامي الحنيف ، وإبتدأ يحس ويعي الوجود الصهيوني والمجازر التي يقوم بها هؤلاء بحق جميع الأديان على حد سواء .

أما بالنسبة لقدراته التعليمية فقد كان من الأوائل في صفه دائماً ، حيث كان يحوز على التقديرات الجيدة وعلى إعجاب الأساتذة الذين يدرسونه ، فإمتاز بالفهم السريع وبالقدرة على التجاوب والعطاء .

وبما أن نفسه كانت تتوق إلى المزيد من العطاء فقد قام بالإنتساب إلى جمعية كشافة الجراح وإلى الفرقة الموسيقية تحديداً ، حيث برع في هذا المجال . وذلك بسبب الأثر الذي خلفه والده عليه ، حيث أن هذا الاخير كان يعمل مدرساً للموسيقى ، مما مكن الهيثم من تعلم العزف على عدد كبير من الآلات الموسيقية المختلفة وبرع فيها ، بل حتى أصبح مدرساً للعزف وملحناً كذلك ، ومعظم هذه القدرات ظهرت من خلال الفرقة الموسيقية الخاصة بالمدرسة التي كان يمثل عصبها الأساس ، ومن خلال المشاركة مع فرقة نادي التضامن الرياضي الفنية ، بالظهور على المسارح المختلفة والمشاركات المتعددة في الحفلات ، فعزف وغنى للوطن وللأطفال وللجنوب .

وما لبث الهيثم أن إنتقل مع والده إلى كشافة التربية الوطنية وتولى قيادة الفرقة الموسيقية لعدد من السنوات ، وإبتدأ بالتعرف على الحياة الكشفية النظامية والتأقلم معها بشكل فعال ، وذلك من خلال المشاركة في المخيمات والدورات المختلفة فتعلم تعود الإتكال على الذات وكيفية التأقلم مع المصاعب المختلفة .

أما بالنسبة للإحساس المباشر بالوجود الصهيوني فقد كانت البداية في العام 1978 ، وذلك بسبب قصف منزل العائلة من قبل الصهاينة وبالتالي تهجيرها لمدة تزيد عن ثمانية أشهر إلى قرية معركة ومن ثم إلى قرية العباسية .

وفي قرية معركة إبتدأ بالتعرف إلى الدين الإسلامي الحنيف من خلال بعض الأصدقاء والتردد إلى جامع القرية وما شابه ، فوجد شغفاً وعطشاً في نفسه إلى هذا الدين ، فإبتدأ بالصلاة على خجل في البداية .

وفي العام 1982 ومع الإجتياح الصهيوني للبنان تم قصف منزل العائلة وللمرة الثانية حيث إحترقت إحدى غرف المنزل وبالكامل ، فتلمس هيثم الوجود الصهيوني وما يصاحب هذا الوجود من آلام ومآسٍ وبشكل أقسى هذه المرة فرأى المنازل المهدمة وإشتم روائح الجثث من تحت الأنقاض ورأى كيف يقاد الشباب إلى المعتقلات وعرف ما هو التصريح ووقف في صف الذل أمام المحتل من أجل الحصول على إشعار الذل هذا والذي كان يسمى تصريحاً ، فإبتدأت روح الثورة تنمو في صدر الفتى الأعزل من السلاح الحائر بكيفية الرد على العدوان ، ولكن نفسه الشجاعة أبت عليه إلا مقاومة هذا الإحتلال ولو حتى بالكلمة وبرفض الوجود الصهيوني وبالتحدث عن المقاومة والحلم بها والإنتساب إليها . وعلى سبيل المثال وبعد الإحتلال المباشر لمدينة صور كان الصهاينة يتجمعون بالمئات عند مبنى مدرسة الجعفرية في المدينة وبالعتاد العسكري الكامل ، فمر الهيثم يحمل خبزاً للعائلة ، فتقدم منه الجنود المسلحون يريدون أخذ بعض الخبز ، فرفض إعطاءهم شيئاً ، حاول أحد الجنود إرهابه بالسلاح ولكنه رفض وإستمر بالرفض فدهش الصهاينة من شجاعة فتى أعزل فتراجعوا وأكمل الفتى السير إلى المنزل بكل شجاعة وعنفوان والبسمة تعلو وجهه فقد تمرد على الصهاينة وقال لهم لا ، فخافوا وتراجعوا من أمامه .

وفي أواخر العام 1983 إنتقل الهيثم إلى ثانوية الجعفرية من أجل إكمال دراسته الثانوية حيث مكث في هذه الأخيرة لمدة ثلاث سنوات . فكان التحول الجذري في نفسه ، وذلك بسبب بدء تعمقه في الدين الإسلامي وتركه للكشاف وإعتزاله الحياة الموسيقية وبدء العمل مع المقاومة ، فوجد نفسه بعد طول ترحال ، وإختار طريق ذات الشوكة ، وإختار درب الإمام الحسين (ع) ، فكان يردد دائماً وفي كل حين : " السلام عليك يا أبا عبدالله " ، وتمنى الشهادة في سبيل الله فنذر نفسه للمقاومة الإسلامية .

كانت البداية في العام 1984 فتعرف إلى بعض الأخوة وبدأ القيام ببعض الاعمال البسيطة كمراقبة عملاء الصهاينة وتحركاتهم والإبلاغ عنها ، وبحلول العام 1985 ومع الإنسحاب الإسرائيلي من مدينة صور عمت النشوة والعزة الجميع ، تاقت نفس الفتى إلى حمل السلاح ، فإبتدأ مشواره الفعلي مع المقاومة فها هو البقاع يستقبله كي يتدرب ثم يشارك في العمل العسكري المباشر ضد الصهاينة الغزاة وعملائهم ،فيتعرف إلى رفيق دربه الحاج جواد( الشهيد سمير مطوط ) ويصبح من الملازمين له في معظم عملياته العسكرية ، لكنه لا يكف عن متابعة تعمقه في الدين الإسلامي والتبحر فيه وفي التصوف . فتتحول حياة الفتى إلى نسك وزهد وإهتمام كبير بالفقراء وتعليم الدين إلى الآخرين .

جهـاد الهيثـم

كانت البداية في العام 1984 ، حيث أخذ يتحين الفرص للإلتحاق بصفوف المقاومة ، فكان يقدم الطلب تلو الاخر ويذهب من أخ آخر ، حيث كان في البدء يجابه بالرفض بسبب صغر السن وضعف البنية الجسدية ، ولكنه كان يقول لهم دائماً :" إن أقفلتم الباب في وجهي فسوف ادخل من النافذة " . وبعد إلحاحه الشديد تم له الأمر ، فها هي أرض البقاع تستقبله لتدربه على السلاح والذود عن الدين وهاهو الحلم الذي طالما راوده قد بدأ يتحقق شيئاً فشيئاً .

أصيب هيثم بجراح خلال عملية سجد بئر كلاب النوعية البطولية

 

 

أول عملية أراد أن ينفذها كانت إستشهادية ، هكذا طلب وأصر ، لكن الوقت لم يحن يومها ، وهيثم يلح ويلح ويخاطبهم والأسى يلف عينيه والكآبة تحيط بوجهه لانهم يرفضون طلبه : " لن أسامحكم إذا نفذت عملية إستشهادية وأنا لست فيها ، لن اكلمكم يوم القيامة إذا حصل هذا لن أكلمكم " .

وبدأ مشواره مع المقاومة الإسلامية ، فإذا بك تجده في كل مكان وفي كل محور ولكن دائماً مع رفيق دربه الحاج جواد ( الشهيد سمير مطوط ) ، فكان إذا لم يشارك في هذه العملية تراه في عمق الشريط مستطلعاً ، وكنت إذا فقدته في هذا المحور فإن دوي قنابله وأزيز رصاصاته التي تخترق أجساد الصهاينة وعملائهم تدلك عليه في المحور الآخر .

ولكنه كان يفعل ذلك بكل صمت وسرية فائقين ، حتى أن أهله لم يعرفوا بإنتسابه إلى المقاومة إلا بعد إصابته ، حيث حاول إخفاء الأمر في البداية لكنه لم يستطع وذلك بسبب خطورة الإصابة يومها ، فقد كان أصيب برأسه ويده ورجله في عملية سجد بئر كلاب النوعية في العام 1986 .

يقول إخوانه الذين كانوا معه ، لقد كان دوره مميزاً في العمليات النوعية ، ففي عملية سجد بئر كلاب كان ثاني من يدخل الموقع  ، فأصيب بثلاث رصاصات خطرة ولكنه تابع تقدمه وتابع جهاده ، وعند الإنتهاء والإنسحاب رفض أن يحمله أحد بل تابع سيره بمفرده فأصبحنا نسميه الشهيد الحي .

أما في عملية مركبا النوعية وبعد تفجير عبوة بدورية إسرائيلية ، قام ثلاثة عناصر بالفرار من أحد الجيبات ، فما كان من الهيثم إلا أن قام بملاحقتهم واحداً واحداً ، حتى ان ضابطاً إسرائيلياً فر إلى بلدة القنطرة فتبعه الهيثم من زاروب إلى آخر حتى أرداه قتيلاً .

ولم يطلب منه القيام بأي عمل إلا ونفذه مهما كانت الصعاب والمشاق ، فقد كان يرافق الحاج جواد في معظم اعماله العسكرية ، حتى أن الحاج جواد كان يطلب من الأخوة التشبه بالهيثم. كما انه كان من ابرز الإستطلاعيين في المقاومة الإسلامية حيث كان يصل إلى بعد امتار معدودة من المواقع الإسرائيلية ، كما كانت له مشاركات واسعة في الكمائن ضد دوريات العدو في عمق الشريط المحتل .

أما بالنسبة للإعداد العسكري فقد كان يعمل وبشكل دائم على تطوير قدراته القتالية والفيزيائية دون ملل أو كلل وذلك عملاً بالآية الكريمة : (( وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة ومن ربط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم )) ( الأنفال 60 ) . فقام بتعلم فنون القتال المتعددة وإتقانها كالتكوندو وما شابه ، كما شارك في دورة عسكرية ذات مستوى عال في الجمهورية الإسلامية ( بعد ان أوهم الجميع أنه ذهب إلى هناك من أجل تحصيل العلوم الدينية ) والتي إمتدت لفترة ثمانية أشهر ، كما خضع لدورة قيادة للآليات العسكرية .

 

إستشهاد الهيثم   

التاريخ ؟

 هو السابع من محرم الحرام الساعة الواحدة ظهراً . ( 19/8/1988 )

 

تشييع الاستشهادي هيثم دبوق في صور

المكان ؟

 تل النحاس في مرجعيون ، موقع من مواقع الجهاد ضد اعداء الله والإنسانية في قلب الشريط الكحتل من قبل الصهاينة الغزاة وقريباً من الأراضي الفلسطينية المحتلة .

المناسبة والحدث ؟

 ثلاث ناقلات جند عدوة تحرسها سيارة جيب من الامام وملالة من الخلف ، تملأ الارض دنساً والفضاء زعيقاً ، راحلة إلى غير رجعة إلى قلب فلسطين المحتلة من الجنوب المجاهد . بطل من أبطال المقاومة الإسلامية لم يتجاوز العشرين من عمره صمم على الشهادة ليفوز برضى الله وجناته ، ليتمتم بكلمات اخيرة فيها تختصر كل المعاني ، يقرأالشهادة ويسأل الله أن يرزقه إياها على يد أشر خلقه . وبحركة مطمئنة ينسل بين الآليات العدوة ، يريد ان يفك القيد الذي يفرض على إرادة شعبه ، وبلحظة يتفجر بركاناً تصل روحه إلى بارئها تتلقفها ملائكة الرحمة ويتناثر الجسد الطاهر .

وإذا هم عشرات الصهاينة يتطايرون أشلاء ممزقة تتهاوى آحلامهم مع آلياتهم المتهاوية التي فرضت بالحديد والنار على شعبنا في الجنوب الصامد وفلسطين السليبة حكماً جائراً وكياناً غاصباً غير شرعي .

تفاصيل العملية

أما بالنسبة لتفاصيل العملية فقد قامت المقاومة الإسلامية بإصدار بيانين حولها

الأول :

بسم الله قاصم الجبارين

 يا أبناء الإسلام المقاوم

في شهر الدم والشهادة وفي أيام عاشوراء الحسين (ع) وإمتثالاً للأمر الشرعي بوجوب الدفاع عن أرض المسلمين ضد الغزاة المحتلين ، وبنداء يا أبا عبدالله الحسين وكالبرق الخاطف إنقض مجاهد من مجاهدي المقاومة الإسلامية ، بسيارته المفخخة على قافلة عسكرية صهيونية تضم شاحنات محملة بجنود العدو وتتقدمها سيارة جيب وتحميها في المؤخرة ملالة واحدة كانت بطريق عودتها من الشريط الحدودي المحتل إلى داخل فلسطين المغتصبة .

وعلى طريق تل نحاس في منطقة مرجعيون إمتشق المجاهد روحه الطاهرة سلاحاً متفجراً فحول القافلة بمن فيها من جنود العدو الصهيوني إلى أشلاء ممزقة عملت طائرات مروحية معادية على تجميعها ونقلها إلى الأرض المحتلة كما شاركت سبع سيارات إسعاف قي لملمة الجثث المتناثرة وسط تطويق امني واسع فرضه الصهاينة حول منطقة العملية .

وأفادت المعلومات الأولية لشهود عيان أم ما لايقل عن ثلاثين صهيونياً عسكرياً قد لقي مصرعه في هذه العملية الجريئة فيما دمرت معظم آليات هذه القافلة .

عهداً لشهداء أمتنا أن نبقى أوفياء لدمائهم الزكية حتى تحرير كامل أرضنا الإسلامية المباركة.

المجد والرحمة والرضوان لشهيدنا الحسيني البطل والنصر للإسلام وللمقاومة الإسلامية .

 

أما البيان الثاني فتضمن الآتي :

الاولى إلا عشر دقائق ظهر يوم الجمعة في تاريخ 7 محرم 1409 هـ الموافق 19 آب 1988 وبنداء يا أبا عبدالله الحسين (ع) إقتحم مجاهد من أبطال المقاومة الإسلامية لم يتجاوز العشرين من عمره بسيارته المفخخة قافلة للعدو الإسرائيلي على طريق تل نحاس المحاذية لفلسطين المحتلة قرب بلدة مرجعيون في الشريط الحدودي المحتل وتمكن من تفجير سيارته وسط القافلة في أثناء عودتها من الشريط الحدودي إلى فلسطين ، وهي تضم 3 شاحنات تتقدمها سيارة جيب في حين تسير في مؤخرها ملالة تؤمن الحماية الخلفية .

وقد أسفرت العملية الإستشهادية حسب المعلومات الأولية الواردة من شهود عيان في المنطقة عن خسائر جسيمة في صفوف العدو تقدر بما لايقل عن ثلاثين صهيونياً كانت أشلاء جثثهم تغطي أرض العملية وتدمير معظم آليات القافلة وإحراقها وشوهدت منها شاحنتان يعمل العدو على سحب بقاياهما في حين كانت 7 سيارات إسعاف وطائرات مروحية للصهاينة تعمل على نقل القتلى والجرحى لمدة تزيد على أربع ساعات .

إن هذه العملية الجريئة التي إختار لها الشهيد هيثم صبحي دبوق الملقب عبد الرؤوف إسم عملية الولاء لأهل البيت (ع) والحجة المهدي (عج) وللإمام الخميني القائد هي اول الغيث في زمن إسقاط مشاريع الصلح مع العدو الصهيوني وحفظ أمنه وأمن مستوطناته .

فعهداً لشهيدنا المجاهد أن تستمر مسيرة المقاومة الإسلامية حتى تحرير كل الارض الإسلامية المحتلة .

والجنة والرضوان له والنصر للإسلام والمقاومة الإسلامية ." 

 

أما من ناحية العدو الصهيوني فقد أصيب بذهول كبير من جراء هذا العمل ، خاصة أن اللحظة لم تكن مناسبة له كي يعلن عن خسائره الناجمة عن عملية جهادية داخل الشريط الحدودي المحتل ، مما يبين عن فشل سياسة الحزام الامني التي يتبعها .

في البدء سيارة مفخخة إنفجرت بعيداً عن قافلة عسكرية مسافة 2 كلم ... ثم إعتراف بإنفجار السيارة بعيداً عن سيارة جيب مسافة 40 متراً دون أن يصاب أحد من الجنود بأذى ... وبعد ذلك إعتراف بإصابة سيارة الجيب ... ثم إعتراف بثلاثة جرحى ...

ولكن الحقيقة تظهر بعد حين ولو كره المحتلون .

حيث ذكر في جريدة السفير ( تاريخ 24/8/1988 ) وتحت عنوان معلومات جديدة عن العملية الإستشهادية المقال التالي :

 " ذكرت معلومات وردة من مرجعيون حول العملية الإستشهادية التي نفذها شهيد المقاومة الإسلامية هيثم دبوق قبل حوالي عشرة أيام ، أن العملية أدت إلى إعطاب ثلاث سيارات عسكرية بينها سيارة من نوع ويليس أصيبت بشكل مباشر .

وأشارت المعلومات إلى ان ضابطاً برتبة نقيب كان بين المصابين الذين بلغ عددهم أكثر من 15 عنصراً بينهم 3 عناصر بحال الخطر الشديد وقد تولت ثلاث طائرات مروحية إسرائيلية نقل المصابين إلى داخل فلسطين المحتلة .

وأكدت المعلومات انه في وقت لاحق حضر إلى مكان العملية قائد المنطقة الشمالية في جيش الإحتلال الميجور يوسي بيليد يرافقه عدد من كبار الضباط حيث تفقد مكان الإنفجار وبقايا السيارات المحترقة والمحطمة .

وبعد جولته التفقدية عقد الجنرال بيليد إجتماعاً عسكرياً في ثكنة مرجعيون ضم أفراد القيادة الإسرائيلية العاملة في الشريط الحدودي المحتل . إتخذت على أثره سلسلة تدابير امنية في محاولة للحؤول دون حصول هذه العمليات لا سيما بعدما تأكد ان الشهيد دبوق تمكن من إجتياز عدد من الحواجز الأمنية التابعة للميلشيات والاقتراب لمسافة 6 كلم من الحدود الدولية اللبنانية مع فلسطين المحتلة.

وعلم من التدابير المتخذة زيادة المراقبين والتفتيش عند بوابات العبور التي تربط بين المناطق المحررة والمناطق المحتلة واطلاق النار من دون سابق انذار في اتجاه كل سيارة لا يوجد بداخلها أكثر من راكبين بإستثناء السائق على أن يتوقف سائق السيارة في حال صادف مرور قافلة إسرائيلية ثم يترجل من سيارته ويبتعد عنها لمسافة عشرة أمتار واقامة حواجز متنقلة وظرفية وتقليص عدد التصاريح المعطاة للسيارات التي تعبر البوابات .

وعرض تلفزيون الشرق الأوسط فيلماً مصوراً عن العملية الإستشهادية ولوحظ آثار السيارات العسكرية المحترقة .

وأثناء مقابلة خاصة بين شقيق الشهيد وأحد أبطال المقاومة الإسلامية الذين أعدوا للعملية وشاهدوها بأم العين فقد روى هذا الأخير تفاصيل العملية على الشكل التالي :

 " جهزت السيارة بمائة وخمسة وعشرين كيلوغراماًُ من مادة C4 الشديدة الإنفجار كما أضيفت إليها ثلاث قوارير من الغاز أما طريقة التفخيخ فقد كانت موجهة أي يكون ضغط الإنفجار في إتجاه واحد .

كان الهيثم على اتم الإستعداد واثقاً من نفسه وهادئاً ومبتسماً أما أنا فكنت أرصد على الجبل المقابل حيث كانت تفصلني مسافة تقدر بسبعماية متر كخط مستقيم ولكن يفصلنا واد .

كان الهيثم ينتظر رفاقه إلى الأبدية كي يوصلهم إلى الجحيم وكي يرتقي إلى جنة الخلود لكن القافلة تأخرت فقد كان موعدها الساعة الحادية عشرة والربع لكنها لم تظهر والهيثم ينتظر ولا يمل الإنتظار .

إنتظر الهيثم بنفس واثقة وقلب مطمئن فهو على موعد مع الشهادة وبحلول الساعة الواحدة إلا ربعاً تقريباً ظهرت القافلة من بعيد بالقرب من قصر الخردلي الذي أزيل من الوجومد منذ زمن ) فتقدم الهيثم إليها يدفعه الشوق إلى لقاء أبي عبد الله الحسين (ع) وإلى ملاقاة رفيق الدرب الحاج جواد والشهداء الآخرين .

كانت القافلة تضم 23 جندياً إسرائيلياً على أقل تقدير ضمن آليات ثلاث ويليس تتبعه آلية كمنكار فملالة فتجاوز الهيثم الويليس وإنصهر مع الكمنكار التي كانت تضم تسعة أو عشرة جنود بما فيهم سائق الآلية والتي إحترقت بالكامل من قوة وشدة الإنفجار كما دمرت الملالة الخلفية وإحترقت بسبب ان النار الموجهة إمتدت لمسافة تتراوح بين ثمانين ومائة متر . وإن كان أحد من الأعداء قد نجا فمن الذين كانوا في الويليس فقط ."  

إن التاريخ الذي لا يكتب إلا بالدماء سيظل ذاكراً وفياً لإبن صور الإستشهادي البطا هيثم صبحي دبوق الذي روى بدمه الطاهر حبات تراب هذا الوطن الذي يكبر به وبأمثاله من الشهداء ، فهم العظام العظام ، وهم بناة فجر الحرية لهذا الوطن الذي لن ينسى تضحياتهم وبطولاتهم .     

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©