موقع يا صور ينشر تحقيقاً مفصلا ًعن دور السينما في المدينة : ماضيها ، حاضرها وابرز محطاتها

 

موقع يا صور - 10/11/2006

هي جزءٌ حيٌ من تاريخ المدينة الذي تصعب كتابته دون الإتيان على ذكرها لكونها تمثل إحدى النقاط الأكثر التصاقا و التحاما بذاكرة جيل كامل من أبنائها الذين خلبتهم وسحرتهم لعقود ، فتكاد فصول حياتهم لا تروى دون الإشارة إلى ما لهم فيها من ذكرياتٍ و مشاهد تترك في الوجدان والقلب لذةً وشوقاً إلى عمرٍ مضى حاملاً معه أحلى الذكريات المفعمة بالدفء والحنين .

 

 

 

سينما دنيا عام 1968

 

في الذاكرة الصورية العديد من الصور والمشاهد الوجدانية لأمكنة ومطارح لم يستطع غبار الزمن أن يسترها أو يخفي معالمها . ومن قلب هذه الصور نتناول موضوع دور السينما في مدينة صور ، كونها تشكل مادةً قيمةً لموضوع ترك بالغ الأثر في وجدان أبناء المدينة ، وكون تاريخ صور يبقى ناقصاً إن لم تلقِ الضوء عليها .

وتعود بدايات السينما في مدينة صور إلى بداية الخمسينات القرن الماضي عندما عرفت المدينة السينما لأول مرة بإفتتاح سينما روكسي لصاحبيها كامل الدادا وبولس خيرالله . كانت السينما تقوم على عقار في المنطقة المعروفة حالياً بشارع الحسب القديمة وتقريباً مقابل جامع الإمام الصادق (ع) اليوم ، وقد عرفت نجاحاً ملحوظاً وعرفت كيف تستقطب جمهوراً وافراً من أبناء المدينة ومنطقتها لا سيما من خلال عرضها لمجموعة من الأفلام العربية والأجنبية المميزة لاسيما الأفلام التي كانت تجذب المشاهدين في ذلك الوقت كأفلام طرزان وشارلي شابلن ، وبعض الأفلام المعروضة كانت من الأفلام الصامتة التي كانت تشهد أواخر أيامها .

وبعد سينما روكسي تم إفتتاح سينما آمبير في صور لصاحبها بولس خيرالله الذي فضل الإنفصال عن الدادا والإستقلال بسينما خاصة به وقد أقيمت في المنطقة المعروفة حالياً بالمنشية وتحديداً في المبنى القائم على العقار الملاصق لمنشرة براضعي حالياً مقابل ميناء الصيادين ، وكانت سينما أمبير أحدث نسبياً من سينما روكسي إن لناحية تجهيزاتها ومقاعدها أو لناحية قاعتها التي كانت أوسع وأكثر راحةً من مثيلتها سينما روكسي وهي كانت مؤلفة من طابقين صالة أرضية وصالة علوية تسمى ( اللوج ) .

وما تقتضي الإشارة إليه في هذا المجال أن العرض السينمائي في أيام أمبير وروكسي كان مقتصراً على الرجال فقط ، أما النساء فقد كان يتم تخصيص يوم في الأسبوع يسمح لهن فيه بمشاهدة الفيلم المعروض وقد بقيت هذه العادة مستمرة حتى أواسط الستينيات عندما تم التخلي عنها مع إفتتاح سينمات الريفولي والدنيا والحمرا .

أما عن الدعاية للأفلام المعروضة في هاتين الصالتين ، فيحدثنا بعض أبناء صور ممن عايشوا تلك الفترة بأن الدعاية كانت تقوم عبر تجول شخصين داخل أزقة وحارات صور القديمة معلنين عن بدء عرض الفيلم الجديد محددين مواعيد العرض ومعرفين به لناحية أسماء الأبطال والموضوع الذي يتناوله وكان أحدهما يحمل لوحاً خشبياً علق عليه أفيش الفيلم والأخر يمسك جرساً يقرع به لجذب إنتباه الجمهور  .

ورويداً رويداً مع التطور الحاصل والتقدم المضطرد والملحوظ على دور السينما ، فإن صور المدينة التي كانت تشهد نشاطاً اجتماعيا ملحوظاً في تلك الفترة ، وإزدياداً واسعاً في نسبة رواد دور السينما ، لم تعد معه صالتي روكسي وأمبير تكفيان لإستقبال الأعداد الكبيرة التي كانت تتوافد لمشاهدة أفلام الفن السابع . وهنا بدأت صور في الدخول إلى مرحلة دور السينما الكبيرة والواسعة حيث تم في العام 1959 افتتاح قاعة سينما ريفولي في الشارع المعروف حالياً بإسمها لأصحابها آل واكيم وفؤاد حلاوي . وكانت سينما ريفولي من الكبر والإتساع قدرت على استيعاب ما يزيد عن الثلاثماية شخص في العرض الواحد ، حيث كانت قاعتها تتألف من صالة وبلكون ، وكانت أسعار تذاكر البلكون أغلى من تذاكر الصالة ، كما تم إفتتاح كافتيريا داخل السينما كانت تقوم ببيع المشروبات والسندويشات للزبائن خلال عرض الأفلام ، وكان يقوم بتشغيل آلة العرض شخص يدعى حنا .

عرفت سينما ريفولي في صور نجاحاً باهراً وكانت أفلامها تلقى إقبالاً شديداً من قبل الناس ، ويحدثنا بعض أبناء صور بأنه عندما تم عرض فيلم ( لا تبكي يا حبيب العمر ) لفريد شوقي ونور الشريف خلال سبيعنيات القرن الماضي ، فإن قاعة سينما ريفولي ظلت تغص بالمشاهدين لمدة شهر ، وكان يتم عرض الفيلم مرتين في النهار عصراً ومساءً ، وكان من عادة الجمهور في تلك الفترة ان يتفاعل مع أحداث الفيلم فيبكي في مشهد منه ويضحك في مشهد آخر ويصفق لموقف أعجبه لأحد الممثلين .

سينما ريفولي في حارة صور

 

وكانت سينما ريفولي تقوم بعرض أحدث الأفلام العربية والأجنبية وقد إشتهرت بعرض أفلام Hercules للمثل الأجنبي ستيف ريفيز ، وقد زارها الممثل السوري المعروف أنور البابا المشهور بتقديم الشخصية الفكاهية ( أم كامل ) خلال عرض أحد أفلامه فيها أواخر الستينات .

بعد سينما ريفولي تم إفتتاح سينما دنيا الشهيرة أواخر العام 1964 في الشارع المعروف اليوم بشارع الحسبة القديمة ، وكان أصحاب هذه السينما من آل مكحل وآل جفال . وإستمرت هذه السينما بتقديم عروضها حتى أواخر الثمانينات عندما تم بيع العقار الذي كانت تقوم عليه فتم هدمها وتشييد مبنى للمكاتب التجارية مكانها. إستطاعت سينما دنيا أن تحتل مرتبة متقدمة بين دور العرض السينمائي في صور حيث كانت تقوم بعرض احدث الأفلام السينمائية ، وكان يقوم بتشغيل آلة العرض فيها المرحوم محمد كجك . وقد زار سينما دنيا الفنان المصري المعروف عمر الحريري حينما تم عرض فيلمه ( قيس وليلى ) . ومن الأفلام السينمائية المميزة التي قدمتها سينما دنيا والتي لاقت إقبالاً جماهيرياً كبيراً فيلم ( عنترة بن شداد ) لفريد شوقي وتحية كاريوكا ، الذي إستقطب تقريباً أعلى نسبة من المشاهدين خلال فترة السبيعنيات ، وكان الناس يحضرون بأعداد كبيرة من البلدات والقرى المحيطة بصور لمشاهدته , وكان عرض هذا الفيلم قد تم برعاية نادي التضامن صور وبالنظر للأرباح الهائلة التي حققها فقد تمكن النادي من تجاوز العجز المالي الذي كان يعاني منه خلال هذه الفترة . ومن الأفلام الناجحة جماهيرياً أيضاً الفيلم الأجنبي " عودة الأشقياء السبعة " الذي لاقى رواجاً جماهيرياً منقطع النظير وقد جرى عرضه عام 1968 .  

 لم يكن دور سينما دنيا في صور مقتصراً على تقديم الأفلام السينمائية بل أنها وبسبب مساحة مسرحها الكبيرة كان لها دوراً كبيراً على صعيد إدخال فن المسرح إلى صور ، ففي العام 1966 وبدعوة من نادي التضامن صور تمت استضافة فرقة ثلاثي أضواء المسرح المصرية المؤلفة من الفنانين المعروفين ( سمير غانم و جورج سيدهم والضيف أحمد ) وقد لاقت هذه الفرقة نجاحاً واسعاًَ على إعتبار أنها كانت تتمتع بشهرة كبيرة في العالم العربي ومازالت حتى اليوم إحدى أفضل الفرق المسرحية الفكاهية التي عرفها فن المسرح في العالم العربي ، كما واستضافت قاعتها مسرحية الفنان العربي الكبير دريد لحام " كأسك يا وطن " والتي قام ببطولتها نخبة من الفنانين السوريين المعروفين كحسام تحسين بيك وغادة واصف وعمر حجو ، إضافة إلى مسرحية لفرقة الفنان اللبناني صلاح تيزاني المعروف بـ " أبو سليم الطبل " وغيرها العديد من الفرق المسرحية اللبنانية لفنانين لبنانيين معروفين كإبراهيم مرعشلي وأحمد الزين وخضر علاء الدين وبيار دمرجيان المشهور بلقبه الفني ( بيارو ) .

ومن المعروف عن سينما دنيا أنها كانت معقلاً لمهرجانات الأحزاب والقوى اليسارية في صور خلال فترة أحداث الحرب الأهلية ، وقد شهدت قاعتها العديد من الإحتفالات الجماهيرية الحاشدة التي مازال أبناء ممن عايشوا تلك الفترة يتذكرونها بوضوح .

أخر سينما عرفتها مدينة صور من حيث النشوء كانت سينما الحمراء والتي يرجع تاريخ إفتتاحها إلى العام 1966 وهي كانت ملك لأشخاص من آل خير الله وآل شحادة ، ومبناها مازال قائماً حتى الآن في الشارع المعروف بإسمها ( شارع سينما حمرا ) في مقابل مقهى علي الدقة ، على الرغم من توقف عروضها منذ فترة طويلة. ولاقت سينما حمرا نجاحاً منقطع النظير لا سيما خلال فترة الأعياد نظراً لموقعها بجانب المكان الذي كانت تقام فيه مراجيح العيد والذي ظل الصوريون ومعهم الآلاف من أبناء القرى والبلدات المجاورة يقصدونه لسنوات طويلة خلال ايام العيد .

كان يقوم على تشغيل آلة العرض في سينما حمرا السيد كامل رزق الله وهو إستمر على القيام بهذا العمل منذ إفتتاح السينما حتى تم إقفالها نهائياً أوائل التسعينات . وقد قدمت سينما حمرا العديد من الأفلام العربية والأجنبية المميزة ولاقى عرض بعضها نجاحاً كبيراً ، ومن الأفلام التي عرفت نجاحاً جماهيرياً كبيراً فيلم ( الفلسطيني الثائر ) الذي عرض في أواخر السبعينات ، وقد حضر حفل إفتتاح العرض بطل الفيلم الفنان المعروف غسان مطر .

وكنظيرتها سينما دنيا فإن سينما حمرا كانت معقلاً للعديد من الإحتفالات السياسية الحاشدة التي كانت تشهدها صور بكثرة خلال أواسط سبعينات وبداية ثمانينات القرن الماضي على اعتبار أنها كانت تشكل معقلاً أساسياً للعديد من القوى الوطنية واليسارية ، لا سيما إحتفالات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والتي أقيم إحداها بحضور أمين عام الجبهة الدكتور جورج حبش عام 1977 . وأيضاً شهد مسرح سينما حمرا حفلاً غنائياً كبيراً للفنان الوطني الكبير مرسيل خليفة رائد الأغنية الوطنية والفن الملتزم .

سينما حمرا اليوم

 

 

 

مما لاشك أن هذه السينمات بقيت تلاقي رواجاً وإقبالاً من قبل المشاهدين لسنوات طويلة إلا أنه و ببداية دخول التلفزيون إلى المنازل فإنها قد بدأت بالتراجع رويداً رويداً لحين ظهور الفيديو الذي وجه لها الضربة القاضية وإضطرها مرغمة للتقهقر خطوات كثيرة للوراء ولم يكد عقد التسعينات يطل برأسه حتى كانت هذه الدور تدخل في طي النسيان وتغلق أبوابها بوجه المشاهدين نظراً للإنخفاض الحاد في مداخيلها نتيجة الإحجام الجماهيري عنها بحيث لم تعد قادرة على تأمين مصاريفها .

أول السينمات المغادرة في صور كانت سينما دنيا التي تم بيع العقار الذي كانت قائمة عليه كما أسلفنا الذكر بحيث تم جرفها بالكامل وتشييد مبنى تجاري مكانها ، أما سينما ريفولي فإنها إستمرت بتقديم العروض حتى أوائل التسعينيات ، ليصبح بعدها نشاطها مقتصراً على مواسم العيد قبل أن تغلق أبوابها نهائياً قبل حوالي عشر سنوات من الآن وتتحول إلى قاعة مهجورة يستعملها بعض أبناء المدينة كمستودع لأغراضهم الخاصة. وهذا الحال ينسحب أيضاً على سينما حمرا المتروكة منذ سنوات طويلة وكما تواتر لموقعنا فإن مبناها معروضاً للبيع وهي أغلب الظن ستلقى مصيراً مشابهاً لسينما دنيا ، ومعه ستطوى صفحة أخرى من الصفحات الجميلة في حياة هذه المدينة .

ولكن ومهما يكن من أمر فإن الذكرى ستبقى خالدة وستبقى هذه الدور حية في ذاكرة المدينة حتى إن شوارعها وأحياءها باتت معروفة بإسمها تأبى أن تغادر الذاكرة الصورية التي إعتادتها وآلفتها ردحاً من الزمن ، ويقيناً أن تاريخ صور الإجتماعي خلال القرن الماضي يأبى أن يكتب أو يدون دون الإشارة إليها ، على إعتبارها تشكل علامة مميزة ومضيئة في هذا التاريخ ، كيف لا وهي التي كانت مسرحاً لأحداث كثيرة وكبيرة سياسياً وفنياً وثقافياً سيبقى تاريخ صور حافظاً لها على إمتداد سنوات عمره الراسخة في القدم .

 

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©