ميناء صور ، مجد المدينة الذي مضى ومنطلق النهضة الآتية لا محالة : تاريخه ، موقعه ،وصفه ، بحارته ومعداتهم ، مراكبه واسماؤها

 

موقع يا صور - 6/10/2007

مـرفـأ صـــور

 

كتب المحرر ....

هنا وجوهٌ لفحتها الشمس بسمرتها وسواعدَ مجدولة بتعب الايام ، هنا اجسادٌ قويةٌ لا تعرف التعبَ وجباهٌ كواها ملح الكد وعرق الشقاء ، هنا مراكب خشبية تحكي قصة البحر وتروي حكايات الخطر وروايات الموت والحياة يفصل بينهما حنكة قبطان وشجاعة بحار .

هنا ارصفة ومكاسر ما انكفأت تصارع جنون البحر وغضبه بعزم وقوة ، تردعه عن الصيادين ومراكبهم وشباكهم ، فتراه بعد حينٍ وقد تراجع مقهوراً تاركاً آثار ثورته ندوباً وجراحاً مفتوحة في جسدها الصخري تنزف ملحاً وتقطر ماءً يرغي زبداً ابيضاً سرعان ما يتلاشى في تجاويف الصخور ..

هنا ميناء صور الشهير ، هنا التاريخ إن حكى لعجز عن وصف البطولة والعظمة ، هنا الميناء الشمالي لسيدة البحار و أحد المرفأين التاريخيين العظيمين الباقي وحده بعدما غاب الآخر الجنوبي الكبير تحت مياه بحر الجمل بفعل زلزال مدمر .

هنا مدخل الجزيرة الاسطورية وحصنها الحصين ، هنا مربض اسطولها البحري المخيف وها هنا قلعتها الشامخة المزنرة بالاسوار الشاهقة ، منه منطلق تجارتها وفتوحاتها وهنا سر بطولتها ورمز حضارتها ، منه توهجت صور وتوسعت فسيطرت على العالم القديم ، ومن هنا ايضاً دخلها الاسكندر المقدوني غازياً بعد تواطؤ الصيداويين والجبيليين والقبارصة ليعيث فيها قتلاً وسبياً وتدميراً ورغم ذلك تأبى الاستسلام ويقاتل سكانها اعداءهم الغزاة حتى الرمق الاخير بالحجارة واللحم الحي في مشهد بطولي اسطوري لا مثيل له عبر التاريخ .

عندما تلاشت صور وخفت نجمها نتيجة الزلازل والحروب ، وعندما اصبحت مدينة مهجورة منكوبة ومجرد مقلعٍ للرخام وللحجارة ، بقي هذا الميناء وحيداً يغالب قدره ويصارع المصير المر، صمد بأسواره المدمرة وحفنة من الصيادين الفقراء القاطنين على جنباته يلعن ظلم الايام وينتظر القيامة الآتية .

لم يرضخ لفاتح ولم يسلم زمام المدينة بسهولة ، واجه كل الغزاة واذل معظمهم ، واذا انكسر يوماً ينكسر واقفاً ولا ينحني ابداً ، يقاتل مع بحارته وتجاره وعماله قتالاً ضارياً حتى الموت ، وعندما ثار في يومٍ احد بحارته " علاقة " واستقل بصور كان له الحصن والملجأ والمنطلق وعندما سقط علاقة سقط مدافعاً فوق اسواره .

منه انطلق الشيخ عباس المحمد النصار ليعيد بناء صور بعد خرابها الطويل وحوله ارتفعت الكنائس والجوامع والدور السكنية والمتاجر والاسواق ، هو إذن قلب المدينة النابض وإن تطرف حتى اقصى شمالها وهو معقل اناسها الطيبين وبحارتها الشجعان .

 

عندما تصل الى ميناء صور تشعر وكأن رهبة تاريخية مخيفة تحيط بك من كل الجهات ، تشعر انك وصلت الى عالم آخر ، عالم من القوة والعنفوان والمجد الغابر ، يستقبلك مبنى الصيادين ومقهاهم على طرفه الجنوبي وبعض المراكب الخشبية المتناثرة هنا وهناك لغرض الصيانة ، وعلى ارصفته عشرات البحارة يعدون العدة لليل بحري طويل ، يجهزون الشراك ويتفقدون الشباك ويتفصحون محركات المراكب ويملأونها بالزيت والمازوت ، وفي الماء عشرات المراكب بأسماءٍ مختلفة تتهادى فوق مياه ضحلة وهادئة يجذبها من ناصيتها الى الرصيف المقابل حبل مشدود ويباعد بينها وبين بعضها الآخر طفافات من الفلين او غالونات بلاستيكية فارغة .

مراكب الصيادين راسية في ميناء صور

 

 

 

 

 

تتقدم قليلاً فيطالعك مزار للسيدة العذراء عليها السلام ، سيدة البحار التي تحمي البحارة ببركتها وطهرها ، هذا المزار الذي يبقى مضاءاً ليلاً نهاراً يبعث في النفس طمأنينة غريبة ويعطيك شعوراً بالدفئ والسكينة حتى في احلك ليالي الشتاء واشدها عصفاً وبرداً .

تقف امام المزار وتلقي نظرةً سريعةً صوب المراكب المتهادية امامه لتبدأ بالتعرف الى اسمائها المكتوبة بالطلاء على مقدماتها مع ارقامها التسلسلية التي تشير الى تسجيلها لدى ادارة المرفأ ، يختار كل بحار اسماً خاصاً بمركبه ولا ضوابط تقيده في اختيار الاسم الذي يشاء ، فهذا المركب هو مار الياس وذاك هو الحسن ، وآخر يدعى هانيت والحاج الياس والزهراء وقصاب وجاندارك ومار انطونيوس وغيره.............

 

مزار العذراء عليها السلام على احد ارصفة ميناء صور

 

 

ترى في ميناء صور مراكب تدل من خلال اسمائها على ان بعض اصحابها مسلمين والبعض الآخر مسيحيين ، تتجاور هذه المراكب كما اصحابها بمحبة وتآخي تحت ناظري العذراء التي تحيطهم جمعيهم برعايتها وحمايتها ، لم يفترق هؤلاء او يختلفوا حتى في اصعب الظروف واحلكها ومن تعايشهم وتآخيهم عرفت صور بأنها مدينة العيش المشترك والنموذج الذي يجب ان يحتذى على صعيد الوطن .

تترك اسماء المراكب وترفع نظرك قليلاً الى متن القارب لترى شباك الصيادين المختلفة " معروبة " وجاهزة لكي يتم طرحها في البحر والى جانب الشباك سلال من القش واخرى سوداء مطاطية يقال لها القفة وبطارية مع مصباح " نيون " للانارة وعدة ومفكات و" غالون مازوت " وآخر فيه ماء للشرب وحبال وبطانيات صوفية وغير ذلك ، وتتشابه كل المراكب في ميناء صور بما تحمله على متنها .

 

شباك وبطانيات وقفة وغالونات بلاستيكية وعدة على متن المركب

 

وعلى الارصفة هنا وهناك صيادون يستخدمون القصبة وسيلة للصيد يستهدفون البوري والسرغوس والبلشفيك وغير ذلك من الاسماك التي يزخر فيها بحر صور ، يعتمر هؤلاء قبعات القش او القماش ويضع كل منهم الى جانبه سلة صغيرة بعضهم يفضلها بلاستيكية وبعضهم الآخر يفضلها من القش ويضعون فيها الطعوم المختلفة بحسب نوع السمك المستهدف بالصيد فقد يكون الطعم خبزاً او عجيناً او حتى عجيناً خاصاً مطبوخاً بالسمن وماء الورد لجذب سمك البوري كما قد يكون الطعم دوداً او محاراً وغير ذلك كما يضعون فيها عدة بسيطة من خيطان نايلون وصنانير وغدارات مختلفة الاحجام وثقالات وبلابل فلين .

وبين الفينة والاخرى يغادر الميناء مركباً او يدخله آخر بحركة ذات وتيرة بطيئة ربما تدل على قلة الرزق او على التعب واليأس من الاوضاع وانسداد افق الامل .

وعلى جنبات الميناء عدد من الابنية التاريخية الشهيرة ولعل اشهرها منزل آل صالحة الذي يناهز عمره المئتي عام وخلفه بحر مباركة وقلعته الشهيرة وورائها الفنار القديم .

صيادو القصبة على ارصفة ميناء صور وعلى متن المراكب

 

وفي المحيط مقاهي الصيادين ، يقصدونها عصراً لاخذ قسط من الراحة يتخللها فترة من لعب الورق وتبادل النكات والطرائف وشرب الشاي او القهوة وتدخين النرجيلة في اجواء بحرية مميزة لا تجدها في اي مكان آخر .

وقرب المقاهي وبجوار احد الارصفة موقدة مستحدثة من حجرين وغطاء حديدي تشتعل بداخلها النيران لتشوي سمكة ملفوفة بشكل جيد داخل الورق المعدني تبعث في المكان رائحة لا تقاوم ...

 

هذه الوجوه بملامحها البحرية المعروفة قد ولدت هنا وهنا تموت وعلى هذه الارصفة وفوق تلك المراكب تعاقبت اجيال واجيال من البحارة الصوريين كُتِبَ المجد فوق جباههم وعانق هاماتهم العز والنصر ، وتسير الحياة مع البحارة في صور سيرها المألوف وخطها الذي لا تحيد عنه ، وعلى البحارة كَتبت الحياة الشقاء الدائم والتعب المتواصل والكفاح المضني والعمل المنهك .....

 

يجهز شراكه للصيد في باحة مقهى الصيادين

 

في صور عالم الميناء هو عالم قائم بذاته ، له ابطاله وقصصه وله لغته ومصطلحاته وعباراته التي قد لايفهما البعض حتماً ، في صور يتآخى البحارة مع البحر وملح البحر وزبد الموج ويعيشون في عالم الازرق الكبير اكثر مما يعيشون في اليابسة ، يعرفون وجوه الاسماك وطبائعها اكثر مما يخبرون البشر ، لذلك ترى البحارة حالة فريدة في صدقها وبساطتها وصفائها وشجاعتها ....

 

بحارة صوريين يجهزون شباكهم وشراكهم للصيد

 

لصور ومينائها وبحارتها سر ما باحت به الايام بعد وربما لن تفعل قريباً ، هو سر حياة ومجد وخلود وتاريخ عظيم مازال يتحين فرصة نهوضه من جديد بسواعد صورية لا تعرف معنى الكلل ترجع لدرة البحر المتوسط بعضاً من مجدها الذي غاب ومضى ، فمن ميناء صور ستكون النهضة الآتية لا محالة .

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©