سبيل الحسين الوحيد في صور ... من يمسح عنه غبار النسيان؟

 

موقع يا صور - 18/10/2006

وكأنك تعبر من عالم الى عالم آخر... او كأنك تجتاز جداراً زمنياً مجازياً يعود بك عشرات السنين الى الوراء حيث الماضي الدافئ والحميم لمدينة صور ، او يتهيأ إليك بأنك تخلع عنك ثوب الحداثة المستوردة لتعود الى جذور الأصالة الصورية الحقة ... بعض هذه المشاعر او كلها قد تنتابك وأنت تعبر من حي الرمل الى الحارة القديمة العريقة لمدينة صور من احد الزواريب العديدة المؤدية إليها والملتفة حولها بتناغم أزلي .

 

 

حارة صور القديمة

من هنا مر التاريخ يوماً وغفا قليلاً قرب البحر فمرت بقربه حوريات الماء وآلهة الحب والحرب والسلام والشعر والموسيقى فاستفاق بعد حين ليرى صور وقد ولدت على صخرة راسخة في قلب البحر شامخة بعنفوان وتحدٍ ازلي ، فصور اذن هي توأم التاريخ وربيبة البحر والقلعة الثائرة العتيقة التي يزيد عمرها عن الثلاثة آلاف عام .

في هذه الحواري القديمة لمدينة صور حيث تتداخل البيوت العتيقة المبنية بالحجر الرملي وتتشابك فيما بينها من فوق الأزقة الضيقة او من على جنباتها مفسحة في المجال بعض الشيء لمرور الناس فيها بخطىً أصبحت تعرف وقعها ونبضها ومقصدها ، تشعر وأنت تتجول فيها  برهبة المكان ، ويسري في رئتيك نسيم قادم من ثلاثة آلاف عام خلت يضفي عليك شعوراً لا تدري كيف تقرأه او تتعامل معه فتترك نفسك له مستسلماً لإحساس جميل يدفعك للعودة الى هذه الحواري من حين لآخر في رحلة جديدة للبحث عن السكينة الروحية .

ومن على جدران منازل هذه الحواري حيث كتب أبناء المدينة بالقبضات العارية قصصاً عن بطولات وأمجاد شهدت عليها سنوات كفاحهم الطويل ، إلى ما تحفظه بداخلها من أسرارهم وحكايا عنفوانهم وفقرهم وقهرهم وتمردهم وحبهم وعشقهم وكل تفاصيل حياتهم .... تغدو حارة صور كتاباً مفتوحاً على التاريخ لا يفهم سطوره إلا الصوري الأصيل العريق في صوريته فتراه يعشق قراءة هذه الأسطر مرات ومرات دون ملل ، فصور لا تغادر أبناءها وهم لا يغادروها وأن فعلوا قسراً تراهم يعودون إليها في اقرب فرصة وقد ارتسمت على وجوهم ملامح الفراق وقسوته .

ولحارة صور القديمة هذه معالم وعلامات تميزها وتميز أزقتها انطبعت في الذاكرة الجماعية للصوريين الذين كبروا قربها وحولها فانسكبت ذكرياتهم على جنباتها ونسجوا معها وبها قصصاً وحكايات تتوالى من جيل الى جيل كتوالي الموج على شطآنها الرملية منها والصخرية .

ومن معالم المدينة الأشد قرباً الى قلوب ناسها هو سبيل ماء في الحارة القديمة عمره يتجاوز الستين عاماً وهو السبيل الذي بناه رجل الخير الصوري الحاج حسين وحيد في حب سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام في العام 1945 م وقد وضع في أعلاه لوحة رخامية اشتهرت بعبارتها المميزة التالية :

في حب الحسين الشهيد

من الحسيــن الوحيد

1945 م

زاروب خان ربو

 

 

بداية فإن كلمة السبيل في اللغة العربية تعني الطريق وبالتالي اصطلح على اطلاق تسمية السبيل على هذا البناء كونه يخصص لابناء السبيل اي ابناء الطريق الفقراء الذين تقطعت بهم السبل فلا يجدون مأوى او منزل فكان هذا الماء لخدمتهم .

يقع هذا السبيل في الزاروب المؤدي الى خان ربو وهو الزاروب الذي اشتهر قديماً في مدينة صور  بوجود قهوة ابو محمود شعبان ومطعم ابو عاطف بارود ومن بعده حالياً ابنه حسن كما فيه محل للسيد عفيف صفي الدين لبيع الخرضوات ومنشرة الحاج ابو بسام خضرا .

يحدثنا صوري عتيق وخبير بشون المدينة ان سبيل الحسين الوحيد هو أقدم سبيل ماء في مدينة صور وقد بناه رجل الخير الصوري حسين وحيد وهو رجل مؤمن وصاحب تقوى مولع بحب آل البيت وبعمل الخير وقد أعطاه الله من وافر نعمه فبنى هذا السبيل لخدمة أهالي مدينة صور وخاصة الفقراء منهم .

ولم يكن في مدينة صور حينها سوى هذا السبيل إضافة الى سبيل آخر يتواجد على الطرف الشمالي لحارة صور بالقرب من حي الكاثوليك إنما كان اقل أهمية منه .

ويتابع قائلاً ان الماء قديماً كانت سلعة قيمة كونها لم تكن تصل الى معظم البيوت والمحال التجارية كما هو الحال اليوم ، فكان معظم أهالي المدينة القديمة في صور يستخدمون ماء هذا السبيل للشرب والغسيل والوضوء وغيره وكان بعض تجار السوق وبائعيه المتجولين كبائعي الفول واللبن والحليب يستخدمون هذا السبيل لكي يغسلوا قدورهم و أدواتهم .

ويضيف :  وكان السبيل قديماً عبارة عن مجرى تتدفق فيه الماء ليلاً نهاراً وذلك قبل ظهور الحنفية التي يمكن غلقها وفتحها وفقاً للحاجة وبالتالي كانت مياهه عذبة وباردة كل ايام السنة فكان سكان الحارة وأصحاب المحلات في السوق يتوافدون الى السبيل من الأنحاء المختلفة ليملأوا الأباريق الفخارية بالماء الباردة .

ويعود هذا الصوري العتيق بذاكرته عشرات السنين قائلاً : لطالما شربت من ماء هذا السبيل انا وأقراني، شربت منه وانا طفل ثم وانا شاب وبعدها في مراحل رجولتي وكهولتي مرات ومرات لا تحصى وكذلك فعل كل ابناء صور والوافدين اليها ، وفي هذا اجر وثواب عظيمين للمرحوم الحاج حسين وحيد .

ويتابع : اذكر انه في أواخر الستينات تم تركيب حنفية للسبيل فلم تعد الماء تجري فيه بشكل دائم بل أصبحت تفتح وتغلق وفقاً للحاجة .

 

وكان المرحوم الحاج حسين وحيد يدفع بدلاً سنوياً مقطوعاً لمصلحة مياه صور عن ماء السبيل وبعد وفاته تولى ورثته هذا الامر ثم تابعت جمعية البر والإحسان في صور هذا العمل الخيّر وأصبحت الجمعية تتولى دفع البدلات السنوية .

ويختم الصوري العريق قائلاً : يعز عليّ اليوم ان امر في السوق القديم ولا ارى اثراً للسبيل ، فقط جزء من لوحته الرخامية ظاهر والجزء الاخر تغطيه طبقات من الباطون ، هذا السبيل هو معلم من معالم صور القديمة يجب ان يرمم ويجدد لكي تحافظ المدينة على هويتها وعراقتها .

ما تبقى من السبيل

 

 

 

 

والواقع ان هذا السبيل بقي في شكله المعروف تكلله لوحته الرخامية ذات العبارة الشهيرة ويزود السوق القديم بالماء حتى اواخر التسعينات ، وفي هذه الفترة جرى ترميم للسوق القديم وتعتيق للجدران الأثرية فيه ومن ضمن الورشة التي كانت قائمة تم وبكل بساطة نزع حنفية السبيل وإغلاقها وبناء جدار فوقه ومن ثم طلاء الحائط فأختفى أثره تماماً وفقدت صور القديمة معلماً من معالمها .

وقد تنبهت بلدية صور مؤخراً للأمر فقامت بتكسير الحائط الذي تم بناؤه فوق السبيل حيث ظهر جزء من اللوحة الرخامية كما اعيد توصيل الماء اليه بعد ان تم تركيب حنفية جديدة .

والبلدية حالياً بصدد تجديد هذا السبيل عبر تلزيمه لشركة هندسية مختصة لوضع تصميم ملائم له ليصار الى إعادة بنائه بما يتناسب مع قيمته التاريخية .

ومن المستحسن ان تبقى ذات اللوحة الرخامية على البناء الجديد للسبيل نظراً لرمزيتها ومكانتها في قلوب اهالي المدينة الذين اعتادوا رؤيتها منذ عشرات السنين .

وحبذا لو تصدر بلدية صور نشرة بتاريخ هذا السبيل وبالسيرة الشخصية للمرحوم الحاج حسين وحيد لتعريف الاجيال الجديدة به وتكريم هذا المحسن الصوري بالطريقة التي تراها البلدية مناسبة .

تفتقد صور اليوم رجالاً من امثال المرحوم الحاج حسين وحيد ، فالبرغم من كثرة الميسورين في هذه المدينة الا ان المحسنين والخيرين منهم هم قلة قليلة لا يتجاوز عددهم اصابع اليد الواحدة وليس منهم من اقدم على القيام بأي مشروع يعود بالنفع على فقراء المدينة ومحتاجيها وهذا امر مستغرب !!

تشتاق صور الى ايامها الخوالي ويعبق قلبها حنيناً وشوقاً الى رجالاتها الأصيلين الطيبين وتحدثها نفسها ان زمانها حتماً سينصفها بمن ينفض عنها غبار الزمن الردئ ...

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©