وكانت طريقتهم في إيقاظ الناس معروفة ومميزة
وقد اعتاد عليها الصوريون لسنوات طويلة حيث
يمسك المسحر بطبلة بيده و يقرعها باليد الاخرى
وهو يردد عبارة " يا نايم وحد الدايم " او "
يا نايم وحد الله " ثم يتابع " قوموا الى
سحوركم ، رمضان جاء يزوركم "
وعندما يصل المسحر الى حي معين من احياء صور
يبدأ بمناداة سكانه بأسمائهم الواحد تلو الاخر
داعياً اياهم الى النهوض من النوم للسحور ،
فالمسحر هو " ابن البلد " وهو يعرف بلا شك
جميع ابناء بلده ويعرف اماكن سكنهم ومن يصوم
منهم فيسحره ومن كان معذوراً في افطاره فلا
يناديه.
ومع تقدم السنوات بدأت تظهر طرق مبتكرة في "
التسحير " فبدأ بعض الشبان ينظمون انفسهم في
فرق انشاد تجوب الشوارع ليلاً حيث يردد
افرادها المدائح النبوية والاناشيد الدينية في
حب الرسول وآل بيته.
وكانت هذه الطريقة المبتكرة مقتصرة في اول
ظهورها على فرق متخصصة حيث كان افرادها
يتدربون على الانشاد قبل بداية الشهر الفضيل
ليكون اداؤهم وقت السحور جيداً ومستحباً وغير
مزعج وقد لاقت هذه الفرق في بدايات ظهورها
استحسان الناس واعجابهم واستمرت بالتسحير
جنباً الى جنب مع المسحر التقليدي .
ولكن مع تقدم السنوات اكثر ، بدأ بعض الشبان
المتفلتين من اية ضوابط اخلاقية او دينية
يجوبون شوارع مدينة صور على شاكلة فرق الانشاد
وما ابعدهم عنها وهم يزعقون وينعقون في
الشوارع ويدقون على التنك والطبلة وحتى الطبل
وغيرها من وسائل الازعاج ويغني كل فرد من
افرادها على ليلاه مشكلين كتلة ازعاج وإقلاق
للراحة متنقلة ومتجولة في شوارع صور تقلق راحة
الناس النائمين والقائمين الى سحورهم من دون
وازع او رادع فلا يملك المواطن العادي في
مدينة صور سوى ان يشكو امره لله سبحانه وتعالى
حتى ينكفأ هؤلاء الى منازلهم فتعود السكينة
الى شوارع المدينة .
اما في هذا العام ومع حلول شهر رمضان غاب
المسحر التقليدي عن شوارع صور وحاراتها
وازقتها ، فلم يعد هذا المسحر يؤنس وحشة
القائمين الى سحورهم او يسلي وحدة المندسين في
سرائرهم ، ولم يعد حلماً يدغدغ جفون الاطفال
الذين يرجون ذويهم ان يدعوهم يروا المسحر ،
وكان طبيعياً ان ينكفأ المسحرون في ظل هذه
الفوضى العارمة وعدم وجود ضوابط في وجه
الطارئين على هذا المجال العريق.
يبدو ان كل ما قد اعتدنا عليه في صور واحببناه
في طريقه الى الزوال او الانقراض في ظل عدم
وجود جهات تحافظ على التراث الصوري او ترعاه
وتضمن استمراريته وتحميه من مخالب الحداثة
البشعة في معظم وجوهها .
للملاحظة ختاماً : منذ ثلاثة ايام اجتاح شوارع
صور عند الثالثة فجراً اكثر من ثلاثين شاباً
احبوا تسحير الناس على طريقتهم ، فجابوا
الشوارع يصرخون وينشدون كل على ليلاه وكان
احدهم ينادي "عيتا " والباقون يجيبونه " أيه
عيتا " ... الى آخره ، وقد اقلقوا الموتى في
قبورهم حتى حضرت دورية تابعة لقوى الامن
الداخلي فدارت مطاردة مثيرة في شوارع صور
.....