جمعية التضامن الثقافية بين الامس واليوم        

 

            في الحديث عن جمعية التضامن يمتزج الخاص بالعام وتختلط واقعية البحث والموقف بعاطفية المشهد وتأثيراته ، فمن ناحية أولى لايمكن لمن يكتب عن التضامن بشكل خاص أن يغفل الواقع الأعم والأشمل المتمثل بصور تلك المدينة التي إرتبط إسمها بالتضامن بشكل وثيق حتى بات الحديث عنها وعن واقعها الثقافي والإجتماعي والرياضي في الوقت الحالي أو في تاريخها الممتد إلى ما قبل خمسين عاماً شديد الإرتباط بواقع التضامن ، أما من ناحيةٍ ثانية فإن سيل العواطف والمشاعر الدافقة من مدى الحب الكامن في قلب كل صوري وجنوبي لهذه الجمعية يجعل من عملية البحث والكتابة في تاريخ التضامن ودوره وحضوره مسألة بالغة الصعوبة وشديدة التعقيد إذ يخاف المرء أن تختلط مشاعره الخاصة بعلمية بحثه وموقفه ، إلا أن شيئاً واحداً قد يخفف من أثر ذلك الموقف ، ألا وهو الواقع الثابت والأكيد بأن جمعية التضامن الثقافية والرياضية باتت جزءاً لايتجزأ من تاريخ صور الإجتماعي والثقافي وأن كل عملية تأريخ ستطال المدينة لاحقاً ستبقى ناقصة ومشوهة إن لم تشر للتضامن أو تغفل دوره على إعتبار أن تاريخ صور والتضامن قد إرتبطا وإمتزجا إلى حد التماهي.

          منذ العام 1946 وجمعية التضامن الرياضية الثقافية تلعب دوراً بارزاً وحاسماً ومؤثراً على صعيد المشهد الثقافي في صور فالجمعية هي ومن دون أدنى شك أول جمعية صورية خرجت من واقع حال أبناء المدينة وجاءت تعبيرا ً عن واقع حالهم وتجسيداً لأمالهم وطموحاتهم في إعادة إحياء ماهو غافٍ من تاريخ المدينة الحافل بالذخائر العلمية والأدبية والثقافية ، ومنذ لحظة الولادة الأولى والتضامن يضطلع بدور ريادي وطليعي على مستوى العمل الثقافي في المدينة معتمداً بشكل كبير وواسع على الشريحة الشابة والواعية والمثقفة التي أغنت إنطلاقته وأسهمت إسهاماً ملحوظاً في جعل التضامن قلعةً للوطنيين والعروبيين الذين رأوا في نداءاته وشعاراته ومواقفه تجسيداً ومرآةً لتطلعاتهم القومية والوطنية.

          من هذه الخلفية العروبية إنطلق التضامن نحو العمل العام في الميادين الثقافية والإجتماعية والرياضية ترفده الدماء الشابة لتزيده قوةً وصلابةً ومناعةً ولتعطيه روحاً وإرادةً وعزيمةً ،حتى تحول هذا الفتى اليانع ذو العمر القصير إلى موئلٍ جامعٍ لكل شباب صور والمنطقة ،وبدأ التضامن يزداد نشاطاً ويقوى حضوراً ويلمع نجماً ،وبدأت معه صور بإستعادة دورٍ تقدميٍ ورياديٍ كانت قد فقدته لأجيال بفعل العوامل والمتغيرات التاريخية التي حجبت دورها على الساحة الوطنية والقومية لفترة من الزمن ، وبات التضامن مدخلاً أساسياً ورئيسياً لكل وافدٍ جديد يأتي صور لينهل من ينابيعها القومية وليروي ظمأه الوطني . وهكذا نرى أن صور ومعها التضامن لعبا دوراً بارزاً في الأحداث التي عرفها لبنان في أواخر خمسينات القرن الماضي عبر موقفهما البطولي في مواجهة القوى المتآمرة والحاقدة على كل ماهو قومي ووطني .وإستمر هذا الدور بالنمو والتوهج في كافة الفترات اللاحقة من عمر الوطن والمدينة ، وظل التضامن على عهود البدايات داعماً ومآزراً لكافة الفئات المؤمنة بعروبة لبنان تاريخاً وثقافةً وموقعاً . ومع هذه المواقف البطولية النابعة من الإلتزام بالعمل الوطني كان من الطبيعي أن يقدم التضامن مجموعة من أبنائه شهداءً على مذابح الوطن في مواجهة قوى الغدر والحقد ومن هؤلاء الشهداء الشهيدين حيدر حايك والشهيد علي عبدالله بواب .

           كان التضامن وعلى الدوام منبراً مفتوحاً أمام كافة الفئات والهيئات والأشخاص للتعبير عن أفكارهم وآرائهم ولتقديم طروحاتهم ومشاريعهم طبعاً مع شرط الإلتزام بالمبادىء الوطنية العامة التي قام عليها بنيان النادي الفكري والثقافي منذ البداية ، كذلك فإن التضامن قد فتح أبوابه أمام للجميع للحوار والنقاش قصد الإرتقاء بمستوى الخطاب العام وإعطاء الفرص لكل مهتم بالشأن السياسي والثقافي العام لطرح أفكاره والتعبير عن رأيه ، هذه الدينامية في العمل وضعت التضامن في صدارة الجمعيات الثقافية العاملة في صور ومناطقها ومكنته من حفر إسمه كواحد من أنجح الجمعيات الثقافية التي عرفتها صور عبر تاريخها الطويل .

        وكما الأمس كذلك اليوم يبقى حاضر التضامن شاهداً دالاً على تميزها وتقدمها ويبقى منبر التضامن حاضراً لإيصال كل صوت هادف وواعٍ ومؤمن بقضايا الناس وأمالهم وأحلامهم ، ويبقى الدور الثقافي للتضامن نوعياً ومؤثراً في حياة صور وأبنائها كيف لا وهو الذي رسم أمانيهم لعقودٍ طويلة من الزمن كانت كافية لترسيخ التضامن معلماً ثقافياً فذاً في تاريخ المدينة.

 

المحامي خالد سهيل شعبان

khaled8007@hotmail.com 

رجــوع

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©