لم يكن علي صفي الدين يعي تماماً ما حدث
لاسرته الصغيرة يوم 16 تموز ، ظن انه يعيش
وقائع كابوس مزعج وتمنى ان يصحو ليرى
زوجته الى جانبه وطفلته الصغيرة تتوسط
الفراش بينهما ببراءتها المعهودة ، كان
يعتقد وهو يرفع جسد لين الندي من بين
انقاض بناية محي الدين انه يسير في عالم
آخر ، في عالم الخيال ، نقلها بداية الى
مستشفى جبل عامل ، كانت مصابة بحروق بالغة
ورأى الاطباء ان لا امكانية لعلاجها في
صور ، طلبوا من علي ان يتوجه بها مسرعاً
نحو صيدا ، وهكذا كان ...
على طول الطريق من صور الى صيدا احتضن علي
طفلته لين بين ذراعيه فيما كان احد عناصر
الدفاع المدني يقود السيارة مسرعاً صوب
مستشفى حمود ، كانت لين غائبة عن الوعي ،
حدثها طويلاً وقبلها كثيراً ومسح الدم
والتراب عن وجهها وشعرها ، لاعب خصلات
شعرها الكستنائي بوجد وهيام ، كان يرجوها
ان تفتح عينيها الجميلتين لتنظر اليه
ولكنها لم تستجب لرجائه ، بكى علي كثيراً
وكأنه كان يتنظر الاسوأ ، لم يرفع عينيه
عن وجهها ، كان يريد ان يشبع من النظر
اليها .....
بين الحين والآخر كان علي بخبرة المسعف
المتمرس يتفقد نبض لين فيجده ضعيفاً يخفت
شيئاً فشيئاً ، لم يشعر سابقاً ان الطريق
بين صيدا وصور طويلة الى هذا الحد وكان
يحث السائق ان يزيد السرعة ليصل بوحيدته
الصغيرة الى مستشفى حمود علّ الاطباء
ينقذون حياتها ...
وصلت السيارة الى مدخل الطوارئ في مستشفى
حمود ... ترجل علي مسرعاً محتضناً صغيرته
بين ذراعيه وركض بها نحو الداخل وبوصوله
الى باب غرفة الطوارئ شعر بصغيرته تنتفض
بين يديه ثم تراخى جسدها الصغير الى الابد
... نظر علي اليها بحرقة ولوعة وانهمرت
دموعه على خديه ... عرف انها اسلمت الروح
واستشهدت ، صغيرته وحبيبته وطفلته الوحيدة
المدللة ها هي الآن جثة هامدة بين يديه
... شعر بظلام مخيف يحيط به من كل الجهات
، وبحث جاهداً عن بصيص امل فلم يجد ....
والى صور عاد علي ليجد زوجته ندين السمرا
مصابة بجروح وحروق بالغة فكان عليه ان
يتابع مشوار علاجها بداية في لبنان ثم في
الاردن بقلب مكسور على لين وقلقٍ على
والدتها ومستقبل بدا وكأنه على حافة
الضياع .....
انتصرت المقاومة فشعر علي بالنصر تعويضاً
في مكان معين عن خسارته المفجعة ....
عمل زملاؤه في الدفاع المدني بجرأة وشجاعة
وتضحية طوال فترة العدوان فكانوا ابطالاً
حقيقيين ، فشعر ايضاً ان تعويضاً ثانياً
قد تحقق ...
تماثلت ندين للشفاء وعادت من رحلة علاجها
فبدأ الامل يدب من جديد في حياة الاسرة
المصابة بفقدان الاحبة ....
تحدث علي كثيراً الى ندين واخذا يواسيا
بعضهما البعض بغياب لين .... قال لها ان
الله يحب لين فاختارها الى جانبه ، فقالت
له ان لين اليوم عصفور من عصافير الجنة
فقال لها ان الله يحبنا ايضاً وسيعيد لين
الينا فقالت له انها اصلاً لم تفارقنا
واشعر بروحها في ارجاء المنزل ...